تراجع أسعار الذهب من القمة مع ارتفاع الدولار الأمريكي

شهدت أسعار الذهب تراجعًا ملحوظًا يوم الخميس، لتتخلى عن جزء كبير من مكاسبها التاريخية التي حققتها في الجلسة السابقة. هذا الانخفاض جاء في أعقاب تسجيل المعدن الأصفر أعلى مستوى له على الإطلاق، مدفوعًا بمزيج من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية.
ومع ذلك، كان للتحول في المشهد النقدي الأمريكي تأثير مباشر على اتجاهه. جاء هذا التراجع مدفوعًا بارتفاع قيمة الدولار الأمريكي بعد تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي التي تبنت نبرة حذرة بشأن خطط التيسير المستقبلية، عقب خفض متوقع لأسعار الفائدة.
لقد سجلت الأوقية من الذهب في السوق الفورية تراجعاً بنسبة 0.1% لتصل إلى 3,657.21 دولار. يأتي هذا بعد أن وصلت الأسعار إلى مستوى قياسي بلغ 3,707.40 دولار يوم الأربعاء، قبل أن تغلق الجلسة على انخفاض بنسبة 0.8%. وبالمثل، تراجعت العقود الآجلة للذهب الأمريكي لتسليم ديسمبر بنسبة 0.7% لتصل إلى 3,691.0 دولار. هذا التباين الحاد بين الارتفاع التاريخي والانخفاض السريع يبرز مدى حساسية سوق الذهب للتغيرات في السياسات النقدية العالمية.
قرار الفيدرالي الأمريكي وتأثيره على أسعار الذهب
كان قرار بنك الاحتياطي الفيدرالي خفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس هو المحرك الرئيسي لتلك التقلبات. بينما كان هذا الخفض متوقعا على نطاق واسع، إلا أن النبرة الحذرة التي تبناها رئيس الفيدرالي، جيروم باول، بشأن مسار الخفض المستقبلي كانت بمثابة صدمة للسوق. فقد أشار باول إلى أن هذا الخفض هو إجراء لإدارة المخاطر في مواجهة ضعف سوق العمل، وأكد أن البنك سيتخذ قراراته “اجتماعًا تلو الآخر”. هذا التصريح خفف من التوقعات الجريئة لدى المستثمرين بشأن خفض سريع وكبير في الفائدة.
وتعليقاً على ذلك، قال بيتر فيرتيج، المحلل في “Quantitative Commodity Research”، إن “هناك بعض خيبة الأمل التي انعكست على سعر الذهب، لأن السوق كان يتوقع أن تنخفض تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب بشكل أقوى مما قرره الفيدرالي”. هذا يعني أن المستثمرين كانوا يأملون في بيئة أسعار فائدة أكثر انخفاضا، مما يجعل الاحتفاظ بأصول لا تدر عائدا مثل الذهب أكثر جاذبية مقارنة بالدولار أو السندات التي تدر عائدا.
الدولار كعامل ضغط على الذهب
يعد الدولار أحد أهم العوامل المؤثرة على الأسعار العالمية للذهب. فالعلاقة بينهما غالبا ما تكون عكسية؛ فكلما ارتفعت قيمة الدولار، أصبح الذهب المقوم به أكثر تكلفة لحاملي العملات الأخرى، مما يقلل من الطلب عليه. ارتفع مؤشر الدولار بنسبة 0.2% مقابل العملات الرئيسية، مما جعل المعدن الأصفر أغلى ثمنا لحاملي العملات الأخرى. هذا الارتفاع المفاجئ يأتي بعد أن كان الدولار قد سجل أدنى مستوى له في أكثر من ثلاث سنوات ونصف يوم الأربعاء، وهو ما أضعف من جاذبية الذهب كملاذ استثماري.
وعادة ما يُنظر إلى الذهب، وهو أصل لا يدر عائدًا، على أنه ملاذ آمن في أوقات عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي، كما أنه يميل إلى الأداء الجيد في بيئة منخفضة أسعار الفائدة. ومع أن قرار الفيدرالي كان لصالح خفض الفائدة، إلا أن عدم اليقين بشأن المسار المستقبلي لأسعار الفائدة كان كافياً لدفع الدولار للارتفاع، وبالتالي التأثير سلبا على أسعار الذهب.
التوقعات المستقبلية للذهب
على الرغم من الانخفاض الأخير، لا تزال التوقعات طويلة الأجل لسعر الذهب إيجابية. يتوقع التجار حاليا بنسبة 90% خفضًا آخر بمقدار 25 نقطة أساس في الاجتماع المقبل للفيدرالي في أكتوبر، وفقًا لأداة “FedWatch” التابعة لمجموعة CME. وفي مذكرة صدرت يوم الخميس، توقع بنك ANZ أن يتفوق الذهب في أدائه خلال المراحل الأولى من دورة التيسير النقدي. وأضاف البنك أن “الطلب على الأصول الآمنة وسط الخلفية الجيوسياسية الصعبة من المرجح أن يعزز طلب المستثمرين”.
وفي سياق متصل، أعلن صندوق SPDR Gold Trust، أكبر صندوق تداول مدعوم بالذهب في العالم، أن ممتلكاته انخفضت بنسبة 0.44% لتصل إلى 975.66 طن يوم الأربعاء، مقارنة بـ 979.95 طن يوم الثلاثاء. هذا الانخفاض في حيازات أكبر صندوق ذهب في العالم يعكس بعض التردد على المدى القصير، لكنه لا يغير من الصورة العامة التي تشير إلى أن الذهب لا يزال محتفظًا بمكانته كأحد أهم الملاذات الآمنة. فالطلب من البنوك المركزية والمشترين من الدول الآسيوية لا يزال قويًا، مما يوفر دعمًا أساسيًا لأسعار الذهب.
ختامًا، على الرغم من تراجع أسعار الذهب الأخير، إلا أن العوامل الأساسية التي تدعم قيمته على المدى الطويل لا تزال قائمة، مثل التوقعات بخفض الفائدة، وزيادة الطلب على الملاذات الآمنة في ظل التوترات الجيوسياسية. ويظل الذهب ركيزة أساسية في محافظ المستثمرين في ظل التقلبات الاقتصادية.
اقرأ أيضا…




2 تعليقات