
شهدت أسعار الذهب حالة من الاستقرار الملحوظ خلال تعاملات يوم الخميس، حيث تترقب الأسواق العالمية بتركيز شديد صدور بيانات التضخم الأمريكية الحاسمة التي ستحدد مسار السياسة النقدية للفترة المقبلة. وبينما يكافح المعدن الأصفر للحفاظ على مكاسبه السعرية، مدعوماً بإشارات “تيسيرية” واضحة من مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي، خطفت الفضة الأنظار بتحركاتها المتسارعة قرب مستويات قياسية غير مسبوقة، نتيجة مزيج من الطلب الصناعي المتزايد والنقص الحاد في المخزونات العالمية.
أداء أسعار الذهب اليوم: توازن دقيق بين قوة الدولار وتوقعات الفائدة
في المعاملات الفورية، سجلت أسعار الذهب تراجعاً طفيفاً بنسبة 0.2% لتستقر عند 4,333.12 دولار للأوقية، ويأتي هذا التراجع الهادئ بعد قفزة قوية تجاوزت 1% في الجلسة السابقة، مما يشير إلى رغبة المستثمرين في تقييم المراكز المالية قبل صدور البيانات الكلية. كما تراجعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب بنسبة مماثلة لتستقر عند 4,363.60 دولار.
ويعزى هذا الاستقرار النسبي إلى حالة “التجاذب النقدى” بين قوتين متعارضتين:
- صمود الدولار الأمريكي: استقرار مؤشر الدولار قرب أعلى مستوياته في أسبوع يعزز من تكلفة اقتناء المعدن الأصفر لحائزي العملات الأخرى، مما يضع سقفاً لطموحات الصعود اللحظي للذهب المقوم بالعملة الخضراء.
- السياسة النقدية المرنة: تصريحات “كريستوفر والر”، عضو مجلس المحافظين بالمصرف المركزي، جاءت لتعيد الثقة للأسواق؛ حيث ألمح بوضوح إلى أن دورة خفض الفائدة لا تزال قائمة، ما وفر “شبكة أمان” اقتصادية منعت أسعار الذهب من الانزلاق إلى مستويات متدنية رداً على قوة الدولار.
الفضة تتفوق على الذهب وتحقق مكاسب استثنائية
في حين حقق الذهب مكاسب قوية بلغت 65% منذ بداية العام الجاري، نجحت الفضة في تحقيق أداء استثنائي تفوق على كافة التوقعات، بنمو مذهل وصل إلى 130%. وقد ارتفعت الفضة الفورية بنسبة 0.1% لتصل إلى 66.36 دولار للأوقية، وذلك بعد أن لامست فعلياً قمة تاريخية عند 66.88 دولار في الجلسة السابقة.
ويؤكد المحللون أن هذا التفوق النوعي للفضة ليس مجرد طفرة عابرة، بل هو نتيجة لثلاث ركائز أساسية:
- انفجار الطلب الصناعي: الفضة لم تعد مجرد ملاذ آمن، بل هي مكون رئيسي في ثورة الطاقة الخضراء، خاصة في صناعة الألواح الشمسية ومكونات السيارات الكهربائية، وهي قطاعات تشهد نمواً لا يتوقف.
- أزمة الإمدادات العالمية: استنزاف المخزونات في البورصات العالمية مع ثبات معدلات الإنتاج من المناجم أدى إلى فجوة بين العرض والطلب، مما يدفع الأسعار دفعاً نحو مستويات غير مسبوقة.
- شهية المخاطرة والاستثمار: مع استمرار الفيدرالي في نهج خفض الفائدة، يتوقع الخبراء أن تختبر الفضة مستويات الـ 70 دولاراً للأوقية خلال العام المقبل، مدفوعة بجاذبيتها المزدوجة كمعدن ثمين وخامة صناعية استراتيجية.
التضخم وسوق العمل: المحركات الكبرى خلف تحركات المعادن
تتجه الأنظار اليوم بكثافة نحو صدور مؤشر أسعار المستهلكين (CPI)، الذي يليه مؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي الشخصي (PCE) يوم الجمعة. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي “البوصلة” التي ستحدد عدد المرات التي سيتدخل فيها الفيدرالي لخفض الفائدة في عام 2026. وتسعر الأسواق حالياً باحتمالية كبيرة خفضين إضافيين بمقدار 25 نقطة أساس لكل منهما.
علاوة على ذلك، فإن البيانات الأخيرة التي أظهرت ارتفاع معدل البطالة إلى 4.6% في نوفمبر — وهو أعلى مستوى منذ أكثر من ثلاث سنوات — زادت من الضغوط على البنك المركزي للدفاع عن سوق العمل، مما يعزز جاذبية الأصول التي لا تدر عائداً مثل الذهب، إذ تنخفض تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بها في ظل تراجع الفوائد البنكية.
قفزات تاريخية في معادن المجموعة البلاتينية
لم يكن الزخم حكراً على الذهب والفضة، بل امتد ليشمل المعادن النفيسة النادرة التي حققت أرقاماً قياسية:
- البلاتين: سجل قفزة صاروخية بنسبة 4% ليصل إلى 1,973.91 دولار، محققاً أعلى مستوى له منذ أكثر من 17 عاماً، وسط توقعات بزيادة استخدامه في تقنيات الهيدروجين الأخضر.
- البلاديوم: أضاف 2.4% إلى قيمته ليلامس مستويات 1,687.39 دولار، وهو أعلى مستوى في ثلاث سنوات، مدفوعاً بمخاوف نقص الإمدادات الروسية واضطرابات سلاسل التوريد.
ختاما تظل أسعار الذهب حالياً في منطقة “المراقبة النشطة”. وبينما قد تظهر بعض الضغوط البيعية الناتجة عن عمليات “جني الأرباح” عند القمم الحالية، إلا أن الأساسيات الاقتصادية الكلية تظل منحازة للارتفاع على المدى المتوسط. للمستثمرين، تبرز الفضة حالياً كخيار استراتيجي يوفر عوائد تفوق الذهب، نظراً لارتباطها الوثيق بالدورة الاقتصادية الصناعية والسياسة النقدية التوسعية في آن واحد.
اقرأ أيضا…




