الأسهم الأمريكية تحت وطأة “عاصفة هرمز”: كيف أثر صراع إيران على وول ستريت؟

تتعرض الأسهم الأمريكية خلال هذه الفترة لواحدة من أكثر موجات التقلب حدة منذ سنوات، حيث تداخلت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط مع مخاوف التضخم العالمي لتشكل مشهداً معقداً أمام المستثمرين. ومع دخول الصراع الأمريكي-الإيراني يومه الرابع، شهدت منصات التداول في نيويورك تذبذبات حادة تعكس قلق الأسواق العميق من احتمالية تعطل مطول في إمدادات الطاقة العالمية، مما وضع “وول ستريت” في حالة ترقب حذر.
أداء مؤشرات الأسهم الأمريكية اليوم: رحلة بين الهبوط والتعافي الجزئي
اتسمت جلسة الثلاثاء (3 مارس 2026) بالدراما السعرية والتقلبات العنيفة؛ حيث افتتح مؤشر داو جونز الصناعي على تراجع مخيف تجاوز 1200 نقطة (نحو 2.6%) في أدنى مستوياته اليومية، مما أثار موجة من عمليات البيع الذعري. ومع ذلك، نجح المؤشر في تقليص خسائره لاحقاً ليغلق منخفضاً بمقدار 403.51 نقطة، أو ما يعادل 0.83%، مستقراً عند 48,501.27 نقطة.
ولم تكن المؤشرات الأخرى بمنأى عن هذا الضغط البيعي، حيث خضعت لعمليات إعادة تقييم سريعة للمخاطر:
- تراجع مؤشر S&P 500 بنسبة 0.94% ليغلق عند 6,816.63 نقطة، متأثراً بتراجع جماعي لكافة قطاعاته الـ 11 التي اكتست باللون الأحمر.
- هبط مؤشر ناسداك المجمع المثقل بأسهم التكنولوجيا بنسبة 1.02% ليصل إلى 22,516.69 نقطة، حيث تضررت أسهم النمو من ارتفاع عوائد السندات التي تزامنت مع قفزة أسعار النفط.
مضيق هرمز: “عنق الزجاجة” الذي خنق شهية المخاطرة
يكمن السبب الرئيسي وراء هذا الارتباك في تصريحات الحرس الثوري الإيراني بشأن إغلاق مضيق هرمز، وهو الممر المائي الأكثر حيوية في العالم والذي يتدفق عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي يومياً. أدى هذا التهديد المباشر إلى قفزة فورية في أسعار الطاقة؛ إذ استقر خام برنت مرتفعاً بنسبة 4.71%، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط مكاسب بنسبة 4.68%، بعد أن بلغت الارتفاعات خلال ذروة الجلسة أكثر من 9%.
إن تخوف المستثمرين في سوق الأسهم الأمريكية لا ينبع فقط من نقص الإمدادات المادية، بل من التبعات الاقتصادية العميقة لما يُعرف بـ “التضخم اللزج”. فارتفاع تكاليف الوقود والشحن نتيجة إغلاق الممرات المائية يعني بالضرورة ضغوطاً تضخمية متجددة قد تجبر مجلس الاحتياطي الفيدرالي على تجميد خططه لخفض أسعار الفائدة أو حتى العودة لرفعها، وهو سيناريو يمثل كابوساً لتقييمات الشركات الكبرى في وول ستريت.
تصريحات ترامب والتحركات الدبلوماسية: محاولة لتهدئة الروع
لعبت التدخلات الكلامية والتحركات الميدانية دوراً محورياً في كبح جماح النزيف الحاد للأسهم وتجنب انهيار شامل في الجلسة. فقد أكد الرئيس دونالد ترامب عبر منصة “تروث سوشيال” أن الولايات المتحدة لن تسمح بتوقف شريان الطاقة العالمي، مشدداً على أن البحرية الأمريكية ستقوم بمرافقة الناقلات إذا اقتضت الضرورة لضمان “التدفق الحر للطاقة لللعالم”.
ورغم أن هذه الوعود ساهمت في تهدئة العقود الآجلة وتقليص خسائر المؤشرات الرئيسية بنهاية اليوم، إلا أن “مؤشر الخوف” (CBOE Volatility Index) قفز إلى أعلى مستوياته منذ نوفمبر الماضي. ويعكس هذا الارتفاع قلقاً حقيقياً من اتساع رقعة الصراع، خاصة مع تقارير عن هجمات بالدرونز طالت السفارة الأمريكية في الرياض واستهداف مراكز حيوية في المنطقة، مما يشير إلى أن حالة عدم اليقين الجيوسياسي ستظل المحرك الأول للأسواق لأسابيع قادمة.
القطاعات الرابحة والخاسرة: تباين حاد في الأداء
في ظل هذه الأزمة الجيوسياسية، ظهر تباين واضح في أداء القطاعات داخل سوق الأسهم الأمريكية:
- قطاع التكنولوجيا وأشباه الموصلات: شهدت أسهم عملاقة مثل “إنفيديا” تراجعاً ملحوظاً، حيث يخشى المستثمرون من تأثر سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف التمويل. كما تعرضت أسهم الذاكرة لضغوط بيعية مكثفة اقتفاءً لأثر التراجعات الحادة في الأسواق الآسيوية.
- قطاع الصناعات والمواد الأساسية: كان من بين الأكثر تضرراً، حيث تعكس الخسائر مخاوف حقيقية من أن يؤدي ارتفاع تكاليف الاقتراض وأسعار الطاقة إلى تباطؤ حاد في النشاط التصنيعي الأمريكي، مما قد يدفع الاقتصاد نحو الركود التضخمي.
- قطاع الخدمات المالية: برزت فيه مخاوف تتعلق بسيولة الصناديق، حيث تراجعت أسهم شركة “بلاك ستون” بنسبة 3.8% عقب تقارير عن تخارجات نقدية ضخمة من صندوقها الائتماني، مما يشير إلى رغبة المستثمرين في توفير السيولة (Cash is King) في الأوقات المضطربة.
تحليل استشرافي: هل تستطيع الأسهم الأمريكية الصمود؟
تاريخياً، أظهرت الأسهم الأمريكية قدرة فائقة على استيعاب الصدمات الجيوسياسية خلال فترات زمنية قصيرة، إلا أن سيناريو إغلاق مضيق هرمز يمثل “بجعة سوداء” قد تطيل أمد التعافي. يتوقع المحللون أن تظل الأسواق رهينة لبيانات التضخم القادمة وتحركات عوائد سندات الخزانة، التي ارتفعت هي الأخرى قبل أن تتراجع قليلاً بالتوازي مع أسعار النفط.
ختاما تظل “الأسهم الأمريكية” في منطقة ترقب حرجة تتطلب حذراً شديداً؛ حيث أصبح سعر برميل النفط وتطورات الميدان في الخليج العربي هما البوصلة الحقيقية التي تحدد اتجاه مؤشرات نيويورك. إن استمرار إغلاق المضيق -الذي يمر عبره 20% من الاستهلاك العالمي- هو مخاطرة لا يمكن للسوق تجاهلها مهما كانت قوة الاقتصاد الأمريكي.
اقرأ أيضا…



