المحكمة العليا الأمريكية توقف رسوم ترامب الجمركية

في قرار تاريخي وصف بأنه “زلزال قضائي” هز أركان التجارة العالمية، قضت المحكمة العليا في الولايات المتحدة يوم الجمعة بعدم قانونية الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترامب. يمثل هذا الحكم أكبر هزيمة قانونية وفنية لأجندته الاقتصادية منذ عودته إلى السلطة، حيث لم يقتصر الأمر على إبطال السياسات الحالية، بل أعاد صياغة حدود السلطة التنفيذية في مواجهة التشريعات التجارية. هذا الحكم يضع الإدارة الحالية أمام معضلة مالية وإدارية خانقة قد تصل كلفتها المباشرة إلى 175 مليار دولار، ناهيك عن فقدان أداة الضغط التفاوضية الرئيسية.
تفاصيل الحكم: انتصار لسلطة الكونجرس الدستورية
بأغلبية 6 أصوات مقابل 3، أكدت المحكمة في رأي صاغه رئيس القضاة “جون روبرتس” أن قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA) لعام 1977، الذي تذرع به ترامب، لا يمنح الرئيس “شيكاً على بياض” لفرض ضرائب على الاستيراد. وأوضح روبرتس أن “تنظيم الاستيراد” لا يعني بالضرورة سلطة فرض الرسوم، مؤكداً أن الصلاحيات الضريبية تظل حصراً بيد الكونجرس بموجب المادة الأولى من الدستور.
التوسع في تفسير حالات الطوارئ ليشمل العجز التجاري أو تدفقات الهجرة وسمها الحكم بأنها “توسع تحويلي” غير مبرر، محذراً من أن قبول منطق الإدارة كان سيؤدي إلى منح الرئيس سلطة مطلقة للتحكم في الاقتصاد القومي تحت ستار الطوارئ الدائمة.
أهم النقاط التي شملها قرار المحكمة العليا:
- إبطال رسوم “يوم التحرير”: إلغاء الرسوم المتبادلة الشاملة (Reciprocal Tariffs) التي فُرضت في أبريل الماضي، والتي كانت تهدف لمساواة نسب الرسوم مع الشركاء التجاريين.
- رسوم المخدرات والهجرة: وقف التعريفات العقابية التي استهدفت المكسيك وكندا والصين بذريعة مكافحة تهريب الفنتانيل، حيث رأت المحكمة عدم وجود رابط قانوني مباشر بين قانون الطوارئ وفرض ضرائب جمركية لهذا الغرض.
- استثناءات محددة: لا يؤثر الحكم على رسوم الصلب والألمنيوم التي فُرضت بموجب “المادة 232” من قانون التوسع التجاري، لأنها تستند إلى “الأمن القومي” وهو مسار قانوني منفصل لم تتطرق له هذه القضية.
التداعيات الاقتصادية: فاتورة الـ 175 مليار دولار والمعضلة اللوجستية
تُشير تقديرات “نموذج بن-وارتون للموازنة” إلى أن الحكومة الأمريكية قد تضطر لرد مبالغ طائلة للمستوردين. لكن الأزمة لا تكمن في المبلغ فحسب، بل في آلية التنفيذ:
- رد الرسوم (Refunds): إمكانية إعادة نحو 175 مليار دولار، وهو مبلغ يتجاوز ميزانيات وزارات كاملة، مما قد يرفع العجز المالي الفيدرالي بشكل مفاجئ.
- ارتباك مالي ولوجستي: وصف القاضي “بريت كافانو” في معارضته عملية استرداد الأموال بأنها ستكون “فوضوية” (Mess). فالشركات التي قامت بالفعل بتمرير التكاليف للمستهلكين قد تحقق “أرباحاً مفاجئة”، بينما يصعب تعويض المستهلك النهائي الذي دفع ثمناً أغلى مقابل السلع.
- تأثيرات السوق: استقبلت الأسواق المالية القرار بارتفاع ملحوظ، خاصة في قطاع السيارات وتكنولوجيا المستهلك، حيث يتوقع المحللون انخفاضاً فورياً في ضغوط التضخم الناتجة عن تكاليف الاستيراد.
ردود الأفعال: “وصمة عار” أم “انتصار لسيادة القانون”؟
بينما وصف ترامب القرار بأنه “كارثة للأمن القومي”، توالت ردود الأفعال المبتهجة من قطاعات الأعمال:
- قطاع التجزئة والأحذية: رحبت جمعيات المستوردين بالحكم، مؤكدة أنه يزيل “ضريبة مبيعات وطنية” غير مرئية كانت ترهق كاهل المواطن الأمريكي.
- الموقف الدولي: أعربت كندا والمفوضية الأوروبية عن ارتياحهما، حيث اعتبر وزير التجارة الكندي أن القرار يثبت أن استخدام قانون الطوارئ لفرض رسوم تجارية كان “غير قانوني وغير مبرر” منذ البداية.
ما هي الخيارات البديلة أمام إدارة ترامب؟
رغم هذه الضربة، لن يتراجع البيت الأبيض عن سياسة “أمريكا أولاً”. من المتوقع أن يلجأ الفريق القانوني لترامب إلى مسارات “أكثر بطئاً ولكنها أكثر صلابة” قانونياً:
- المادة 301: الرد على الممارسات التجارية غير العادلة، وهي تتطلب تحقيقات مطولة قد تستغرق شهوراً.
- المادة 122: قانون قديم يسمح بفرض رسوم بنسبة 15% بحد أقصى ولمدة 150 يوماً فقط لمعالجة عجز ميزان المدفوعات.
- المادة 338: قانون من حقبة “سموت-هاولي” (عام 1930) يتيح فرض رسوم تصل لـ 50% على الدول التي “تميّز” ضد التجارة الأمريكية، وهو خيار راديكالي قد يثير نزاعات دولية أوسع.
ختاما يمثل قرار المحكمة العليا فصلاً جديداً من التوازن بين السلطات، حيث وضع “خطاً أحمر” أمام التوسع في استخدام سلطات الطوارئ. وبينما يتنفس المستوردون الصعداء، يظل اليقين الاقتصادي مفقوداً؛ فالمعركة انتقلت الآن من قاعات المحكمة العليا إلى أروقة وزارة التجارة ومكتب الممثل التجاري الأمريكي لإيجاد ثغرات قانونية جديدة.
اقرأ أيضا…



