أخبار الأسواقأخبار النفطسلع

أسعار النفط تتجه لتحقيق أول مكسب أسبوعي في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية

شهدت أسعار النفط تحركات جوهرية بنهاية تعاملات الأسبوع، حيث استقرت بالقرب من ذروتها السعرية المسجلة خلال الأشهر الستة الماضية. وتتجه الأسواق حالياً نحو تسجيل أول مكسب أسبوعي لها في غضون ثلاثة أسابيع، مدفوعةً بمزيج معقد من المخاوف الجيوسياسية المتنامية في منطقة الشرق الأوسط، والمؤشرات الاقتصادية المتباينة من كبار المستهلكين، لاسيما مع التصريحات الأمريكية الصارمة حيال البرنامج النووي الإيراني.

أداء العقود الآجلة وتوقعات السوق الأسبوعية

على الرغم من موجة التراجع الطفيفة التي سادت جلسة يوم الجمعة نتيجة عمليات جني أرباح محدودة، إلا أن الحصيلة الأسبوعية الإجمالية لا تزال إيجابية بشكل لافت وتعكس ثقة المشترين في الزخم الصعودي. فقد شهدت عقود برنت الآجلة انخفاضاً تقنياً بمقدار 39 سنتاً أو 0.5% لتستقر عند 71.27 دولاراً للبرميل، بينما لحق بها خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) بتراجع قدره 37 سنتاً أو 0.6% ليصل إلى 66.06 دولاراً.

أما على الصعيد الأسبوعي، فقد سجل خام برنت قفزة نوعية بنسبة 5.1%، في حين عزز خام غرب تكساس الوسيط مكاسبه بنحو 5%. وتعكس هذه القفزات حالة “التوجس الرقمي” التي تسيطر على المستثمرين؛ حيث بات السوق يترقب نتائج “ثنائية” حاسمة، فإما انفراجة دبلوماسية تهدئ الأسواق أو تصعيد ميداني قد يدفع الأسعار لمستويات قياسية جديدة.

التوترات بين واشنطن وطهران المحرك الرئيسي لـ “أسعار النفط”

يجمع المحللون الاستراتيجيون على أن نبرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة كانت بمثابة المحفز الأساسي لهذه التقلبات؛ إذ حملت تصريحاته تحذيرات شديدة اللهجة من “تبعات وخيمة” حال تعثر المفاوضات النووية، محدداً سقفاً زمنياً ضيقاً لا يتجاوز 15 يوماً. هذا النوع من الخطاب يرفع فوراً من “علاوة المخاطر الجيوسياسية” المضافة إلى السعر الأساسي للبرميل.

وفي الضفة المقابلة، تأتي التحركات العسكرية الإيرانية لتعمق هذه الهواجس، لاسيما مع التقارير الواردة حول مناورات بحرية مشتركة مرتقبة مع روسيا. ويستعيد المستثمرون بذاكرتهم سيناريوهات إغلاق مضيق هرمز، الشريان التاجي للطاقة العالمية الذي يعبر من خلاله خمس إمدادات النفط العالمية يومياً. إن أي تهديد فعلي لسلامة الملاحة في هذا الممر لن يقتصر أثره على اضطراب الإمدادات، بل سيؤدي إلى صدمة سعرية فورية في أسعار النفط نتيجة التدافع نحو تأمين العقود الآجلة.

العوامل الأساسية: تقليص المخزونات وحسابات العرض والطلب

بمعزل عن الضجيج السياسي، هناك معطيات رقمية ساهمت في بناء هذه الأرضية الصلبة للأسعار:

  1. هبوط حاد في المخزونات الأمريكية: كشف تقرير إدارة معلومات الطاقة عن سحب ضخم بلغ 9 ملايين برميل، وهو رقم تجاوز توقعات المحللين بكثير. هذا التراجع جاء مدفوعاً بزيادة نشاط المصافي الأمريكية وارتفاع وتيرة الصادرات، مما يعكس شحاً نسبياً في المعروض المحلي لأكبر مستهلك عالمي.
  2. التمركز الشرائي في الأسواق: لاحظت تقارير “ساكسو بنك” تحولاً في سلوك المتداولين نحو شراء مكثف لخيارات الشراء (Call Options) لخام برنت. هذا التمركز يعكس مراهنة مؤسسية على أن مستويات السبعين دولاراً ليست سوى محطة في طريق صعودي أطول، مدفوعاً بنقص المعروض الفعلي.

التحديات الهيكلية والضغوط الكابحة للمكاسب

رغم هذا الزخم، تبرز حواجز اقتصادية قد تمنع أسعار النفط من التمادي في الارتفاع:

  • تشدد السياسة النقدية: لا تزال أشباح التضخم تلاحق الفيدرالي الأمريكي، حيث تشير محاضر الاجتماعات الأخيرة إلى احتمالية الإبقاء على معدلات فائدة مرتفعة لفترة أطول، أو حتى اللجوء لزيادات إضافية. الفائدة المرتفعة تزيد من تكلفة الاقتراض للشركات الصناعية، مما قد يؤدي لتباطؤ النشاط الاقتصادي وتقليص الطلب الكلي على الوقود.
  • مناورات “أوبك بلس” وفائض 2026: تترقب الأسواق بحذر اجتماع التحالف القادم، وسط تسريبات عن توجه لزيادة الإنتاج تدريجياً في الربع الثاني من العام. وفي هذا السياق، يحذر خبراء “جي بي مورجان” من أن الفائض الهيكلي الذي ظهر في النصف الثاني من 2025 قد يتحول إلى أزمة وفرة مزمنة، مشيرين إلى أن السوق قد يتطلب تخفيضات قاسية تصل لمليوني برميل يومياً بحلول عام 2027 لمنع انهيار الأسعار تحت وطأة المخزونات المتراكمة.

في النهاية تجد أسعار النفط نفسها حالياً في منطقة “اشتباك” بين قوى التوتر الجيوسياسي التي تدفع للأعلى، وقوى الواقع الاقتصادي الكلي التي تسحب للأسفل. وبينما تظل العيون شاخصة نحو مضيق هرمز وتصريحات البيت الأبيض، يبدو أن الأسواق قد دخلت مرحلة من التذبذب العالي، حيث ستكون البيانات اللحظية هي المحرك الفعلي للأسعار في الأسابيع القليلة القادمة.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى