أخبار الأسواقاخبار اقتصاديةأخبار الدولار الأمريكي

تراجع مفاجئ في طلبات إعانة البطالة الأمريكية لأدنى مستوى في 2026

شهد سوق العمل الأمريكي تحولاً دراماتيكياً خلال الأسبوع الماضي، حيث أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة العمل تراجعاً حاداً وغير متوقع في عدد المتقدمين الجدد للحصول على إعانات البطالة. هذا التطور الإيجابي يعزز الآمال بقدرة الاقتصاد الأكبر في العالم على الصمود في وجه التحديات، ويشير إلى مرونة لافتة أمام الضغوط الانكماشية والتباطؤ النسبي الذي خيم على الأسواق في أواخر العام الماضي.

أداء سوق العمل: أرقام تكسر حاجز التوقعات المتفائلة

كشفت وزارة العمل الأمريكية في تقريرها الصادر يوم الخميس أن طلبات إعانة البطالة الأولية تراجعت بمقدار 23,000 طلب، لتستقر عند 206,000 طلب للأسبوع المنتهي في 14 فبراير. هذا الرقم لا يمثل فقط أدنى مستوى يتم تسجيله منذ أواخر ديسمبر الماضي، بل إنه جاء ليصدم الأوساط الاقتصادية بخروجه بعيداً عن نطاق توقعات المحللين؛ حيث أشارت تقديرات الخبراء في استطلاع صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى مستوى 223,000 طلب، بناءً على القراءة الأولية للأسبوع السابق التي كانت عند 227,000.

من الناحية الإحصائية، تكشف الأرقام غير المعدلة موسمياً عن مشهد أكثر تفاؤلاً؛ إذ انخفضت الطلبات المستندة إلى الإيداعات الفعلية بمقدار 42,509 لتصل إلى 207,694 طلباً في الأسبوع الأخير. وبالمقارنة التاريخية مع نفس الأسبوع من العام الماضي، الذي سجل 223,538 طلباً، يتضح أن الزخم الحالي لسوق العمل لا يقتصر على كونه تحسناً عابراً، بل هو أداء يتفوق على المعايير السنوية المعتادة، مما يشير إلى رغبة الشركات في الاحتفاظ بالعمالة رغم الضبابية الاقتصادية.

دلالات التراجع: تناغم مع مؤشرات يناير القوية

يأتي هذا الانخفاض القوي في طلبات الإعانة ليعزز مصداقية تقرير الوظائف “المفاجئ” الذي صدر في يناير، والذي شهد انخفاضاً في معدل البطالة العام إلى 4.3%. ويرى المحللون أن وصول المطالبات إلى هذا المستوى المتدني يعد البرهان الأكثر وضوحاً على أن سوق العمل بدأ “يستعيد موطئ قدمه” بعد موجة من التسريحات والضعف الهيكلي التي ظهرت في النصف الثاني من العام المنصرم.

ومع ذلك، تظل الصورة الكلية بحاجة لتدقيق أعمق؛ ففي مقابل تراجع المتقدمين الجدد، سجل عدد الأشخاص الذين يتلقون إعانات مستمرة (Continuing Claims) ارتفاعاً بمقدار 17,000 ليصل الإجمالي إلى 1.87 مليون شخص. هذا التباين يشير إلى احتمالية وجود “فجوة زمنية” في إعادة التوظيف؛ فبينما يقل عدد المسرحين الجدد، يجد من فقدوا وظائفهم سابقاً صعوبة أكبر أو يستغرقون وقتاً أطول في العودة إلى القوة العاملة، مما يضع السوق في حالة من “التوازن الحذر”.

العوامل الجوية وتحديات صياغة السياسة النقدية

لا يزال خبراء الاقتصاد يضعون “هامش خطأ” في تقديراتهم نظراً للعوامل الموسمية غير المستقرة. فقد أشار عدد من المحللين إلى أن بيانات المطالبات قد تكون “مشوهة” إحصائياً نتيجة العواصف الثلجية العنيفة التي ضربت ولايات رئيسية في أواخر يناير، والتي قد تكون تسببت في تأخير إيداع الطلبات أو إغلاق مكاتب العمل مؤقتاً، مما يضفي نوعاً من التحفظ على التفاؤل المفرط.

أما على صعيد السياسة النقدية، فقد ألقت محاضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) بظلالها على المشهد. وأظهرت المحاضر أن صانعي السياسة أصبحوا أقل قلقاً حيال تدهور سوق العمل مقارنة بالأشهر الماضية، بينما استمرت “هواجس التضخم” في الهيمنة على تفكيرهم. وبحسب توقعات طاقم الفيدرالي، فإن النشاط الاقتصادي سيتسارع هذا العام، مما سيؤدي بالتبعية إلى تراجع تدريجي ومنظم في معدلات البطالة، وهو ما يمنح المركزي الأمريكي مساحة أوسع للتركيز على استقرار الأسعار دون الخوف من ركود عميق.

استجابة الأسواق: القوة التي تثير القلق

عكست التحركات الفورية في الأسواق المالية حالة من “التوجس” تجاه البيانات القوية؛ ففي عالم الاقتصاد، غالباً ما تكون الأخبار الجيدة لسوق العمل أخباراً “مقلقة” للمستثمرين الذين يأملون في خفض أسعار الفائدة:

  • سوق الأسهم: اتجهت العقود الآجلة لمؤشر S&P 500 نحو الانخفاض قبل الافتتاح، حيث يخشى المتداولون أن تؤدي قوة التوظيف إلى منح الفيدرالي مبرراً إضافياً للإبقاء على أسعار الفائدة “مرتفعة لفترة أطول” (Higher for Longer) لكبح أي ضغوط تضخمية ناتجة عن نمو الأجور.
  • سوق السندات: تفاعلت السندات بشكل حاد، حيث قفز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات ليصل إلى 4.107%. هذا الارتفاع في العوائد يعكس قناعة السوق بأن الاقتصاد لا يزال يتمتع بوقود كافٍ يمنعه من التباطؤ السريع.

في الختام، يظل الانقسام سمة بارزة في توقعات الاقتصاديين لبقية عام 2026. فبينما يعتبر تراجع المطالبات إلى 206,000 “نقطة مضيئة” تعكس متانة داخلية، إلا أن هشاشة مؤشرات أخرى، مثل الإنفاق الاستهلاكي المتباين، تستوجب مراقبة دقيقة. السؤال الجوهري الذي سيجيب عنه الربع الثاني من العام هو: هل يمثل هذا التحسن “بداية لنهضة مستدامة” في سوق العمل، أم أنه مجرد “تصحيح فني” مؤقت؟

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى