أخبار الأسواقأخبار النفطسلع

أسعار النفط تقفز لأعلى مستوياتها في 6 أشهر

شهدت أسعار النفط طفرة سعرية واضحة خلال تداولات يوم الخميس 19 فبراير 2026، حيث هيمنت المخاوف الأمنية على معنويات المستثمرين في أسواق الطاقة. يأتي هذا الارتفاع مدفوعاً بتصاعد حاد في حدة الخطاب العسكري والتحركات الميدانية بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الخليج العربي، التي تُعد الشريان التاجي لإمدادات الخام العالمية. هذا المناخ المتوتر أجبر المتداولين ومديري الصناديق على إعادة تقييم “علاوة المخاطر الجيوسياسية” بشكل فوري، مما دفع العقود الآجلة للاقتراب من مستويات قياسية لم تُسجل منذ نحو نصف عام، وسط مخاوف من تحول المناوشات إلى صراع مفتوح قد يعيد رسم خارطة المعروض العالمي.

أداء الأسواق: خام برنت يتخطى حاجز الـ 71 دولاراً

على صعيد التداولات اللحظية، سجلت العقود الآجلة لزيوت خام برنت ارتفاعاً بنسبة 1.3%، لتبلغ 71.26 دولاراً للبرميل بحلول الساعة 10:58 بتوقيت غرينتش، مما يعكس رغبة المستثمرين في التحوط ضد أي انقطاع مفاجئ. وفي الضفة الأخرى، صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) بنسبة 1.4%، ليلامس مستوى 66.09 دولاراً، مسجلاً مكاسب متتالية تعكس تزايد الضغط على المخزونات المحلية والعالمية.

هذه المكاسب القوية ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لقفزة نوعية تجاوزت 4% في جلسة الأربعاء الماضية. وتعبر هذه الأرقام عن حالة من القلق المتجذر في الأوساط المالية؛ فالسوق لا يسعر فقط النقص الحالي، بل يتحسب لاحتمالات “سيناريو الكارثة” الذي قد ينجم عن اندلاع نزاع مسلح مباشر يضرب البنية التحتية النفطية في مقتل، ويؤدي إلى تبخر ملايين البراميل من المعروض اليومي في لحظات.

مضيق هرمز وتأثيره الحرج على أمن الطاقة

تتجه أنظار المحللين والاستراتيجيين في كبريات البنوك الاستثمارية نحو “مضيق هرمز”، الممر المائي الأكثر أهمية واستراتيجية في العالم، حيث يعبر من خلاله نحو 20% من إجمالي استهلاك النفط العالمي يومياً. وقد تزايدت وتيرة القلق بعد تقارير إعلامية إيرانية أشارت إلى إغلاق المضيق جزئياً لعدة ساعات يوم الثلاثاء الماضي بدواعي إجراء مناورات تكتيكية، وهو ما اعتبره مراقبون “رسالة تحذيرية” للأسواق العالمية حول قدرة طهران على خنق سلاسل التوريد.

وفي هذا السياق، يوضح محللو “ساكسو بنك” أن وصول أسعار النفط إلى هذه القمم السعرية يعكس اقتناعاً متزايداً لدى المستثمرين بأن السوق دخل منطقة الخطر الفعلي. فالواقع الجيوسياسي الجديد يضع أهم ممر مائي للطاقة تحت تهديد مباشر، وهو ما يعني أن أي خطأ في الحسابات العسكرية قد يؤدي إلى قفزة سعرية لا يمكن التنبؤ بمدى ذروتها، خاصة في ظل ضعف الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى بعض الدول الأخرى لتعويض هذا النقص الهائل.

العوامل الجيوسياسية المعمقة للمشهد الحالي:

  1. التصعيد البحري المكثف: لم يقتصر الأمر على التصريحات، بل قامت الولايات المتحدة بنشر مجموعات قتالية بحرية إضافية وتمركزت قطع حربية متطورة بالقرب من السواحل الإيرانية، مما يرفع من احتمالات الاحتكاك المباشر في الممرات الملاحية الضيقة.
  2. التهديدات الجوية (NOTAM): إصدار طهران لإخطار رسمي للطيران يمنع التحليق بسبب تجارب صاروخية في مناطق استراتيجية جنوب البلاد، عزز من فرضية أن المنطقة باتت “ميدان تجارب” عسكري وشيك، مما أربك جداول الشحن والتأمين البحري.
  3. الجمود الدبلوماسي: بالرغم من الجهود المبذولة في جنيف، إلا أن تصريحات البيت الأبيض حول “الفجوات الكبيرة” وصعوبة التوصل لتفاهمات ملموسة، جعلت المتداولين يفقدون الأمل في حل سياسي قريب، مما دفعهم للرهان على خيار “القوة” كسيناريو مرجح.

مخزونات النفط الأمريكية: مفاجأة إحصائية تدعم الاتجاه الصعودي

وبعيداً عن هدير الطائرات والبارجات، تلقت أسعار النفط وقوداً إضافياً من البيانات الصادرة عن معهد البترول الأمريكي (API). فقد كشفت الأرقام عن انخفاض غير متوقع في مخزونات الخام والبنزين والمشتقات في الولايات المتحدة للأسبوع المنتهي في 13 فبراير. هذا التراجع في المخزونات الأمريكية يمثل “صدمة إيجابية” للثيران (المراهنون على ارتفاع الأسعار) في السوق.

كانت إجماع توقعات المحللين في استطلاعات “رويترز” يميل نحو زيادة في المخزونات بنحو 2.1 مليون برميل، غير أن النتيجة الفعلية جاءت معاكسة تماماً، مما يشير إلى طلب داخلي قوي وقدرة استيعابية عالية رغم التوترات. وتنتظر الأسواق الآن بفارغ الصبر البيانات الرسمية من إدارة معلومات الطاقة (EIA) لتأكيد هذه الأرقام، حيث أن تأكيد تراجع المخزونات سيمنح الأسعار زخماً إضافياً قد يكسر حواجز مقاومة فنية جديدة.

فشل محادثات جنيف بين أوكرانيا وروسيا

لا يمكن فصل اشتعال الجبهة في الشرق الأوسط عن التوترات في أوروبا الشرقية؛ حيث انتهت جولة المحادثات بين روسيا وأوكرانيا في جنيف دون أي تقدم يذكر. اتهام الرئيس الأوكراني لموسكو بالمماطلة المتعمدة زاد من حالة “عدم اليقين الجيوسياسي الشامل”. هذا التزامن النادر بين أزمتين في منطقتين رئيستين لإنتاج وتصدير الطاقة يدفع المستثمرين للهروب الجماعي من الأصول الخطرة واللجوء إلى النفط والذهب كملاذات آمنة، مما يخلق ضغطاً شرائياً مستمراً يحول دون أي تراجع سعري في المدى المنظور.

ويرى محللو “إنرجي آسبكتس” أن المسار الصعودي لأسعار النفط لا يزال يمتلك مساحة واسعة للتحرك، خاصة إذا استمرت حالة الشحن العسكري. إن تحول اهتمام المتداولين من “إمكانية التوصل لاتفاق” إلى “توقيت الضربة العسكرية” يغير من قواعد اللعبة في بورصات النفط؛ حيث يتم حالياً بناء مراكز شرائية طويلة الأمد تعتمد على فرضية انقطاع الإمدادات.

إذا ما شهدنا أي احتكاك فعلي أو اعتراض لناقلات نفط في مضيق هرمز، فإن حاجز الـ 80 دولاراً لن يكون مجرد هدف فني، بل قد يصبح واقعاً ملموساً في غضون أيام قليلة. فالسوق اليوم لا يتفاعل مع العرض والطلب التقليدي بقدر ما يتفاعل مع “كلفة التأمين ضد الحرب” وحماية أمن الطاقة العالمي في ظل نظام دولي مضطرب.

سيبقى المشهد النفطي معلقاً بين مطرقة البيانات الاقتصادية الأمريكية وسندان التوترات الجيوسياسية المتفاقمة. الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الارتفاعات مجرد طفرة مؤقتة أم بداية لموجة تضخمية جديدة تقودها أسعار الطاقة العالمية.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى