أسعار الذهب عالمياً تخترق حاجز 5000 دولار

شهدت أسعار الذهب عالمياً قفزة تاريخية غير مسبوقة خلال تعاملات يوم الخميس 19 فبراير 2026، حيث نجح المعدن الأصفر في اختراق مستويات قياسية جديدة، محطماً الحواجز النفسية والفنية السابقة. جاء هذا الارتفاع مدفوعاً بتصاعد حاد في حدة التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران، تزامناً مع حالة من الضبابية الكثيفة التي تخيم على مسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، مما خلق بيئة مثالية لنمو الأصول التحوطية.
مكاسب قياسية للذهب والفضة وسط لجوء كثيف للملاذات الآمنة
واصل الذهب مكاسبه في المعاملات الفورية ليرتفع بنسبة 0.7% ويستقر عند 5,012.83 دولاراً للأوقية، وذلك بعد أن سجل صعوداً قوياً تجاوزت نسبته 2% في الجلسة السابقة مباشرة. وبالمثل، ارتفعت العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة (تسليم أبريل) بنسبة 0.4% لتستقر عند 5,031.20 دولاراً. يعكس هذا الزخم تصاعد ثقة المستثمرين في الذهب كدرع واقٍ ضد تقلبات العملات الورقية والمخاطر السياسية.
ولم تقتصر هذه الموجة الصعودية على الذهب وحده؛ بل سجلت الفضة طفرة ملحوظة بارتفاعها بنسبة 2.7% لتصل إلى 79.24 دولاراً للأوقية. يأتي هذا الأداء القوي للفضة مدعوماً بمزيج من العوامل، أبرزها شح المعروض المادي وانخفاض مستويات المخزون في مستودعات بورصة “كوميكس” إلى مستويات حرجة قبيل فترة تسليم عقود شهر مارس. ومع ذلك، يشير المحللون الفنيون إلى أن الفضة، رغم مكاسبها، لا تزال بحاجة لتجاوز مستوى 86 دولاراً لضمان استقرارها في “منطقة الأمان” الفنية بعد التصحيحات العنيفة التي شهدتها مطلع الشهر.
التوترات بين واشنطن وطهران: محرك رئيسي لشهية المخاطر
تتصدر المخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية شاملة مشهد الأسواق المالية العالمية. وقد أشار محللو الأسواق في “Nemo.money” إلى أن التقارير الاستخباراتية التي تتحدث عن احتمالية استمرار العمليات العسكرية لعدة أسابيع في حال بدئها، قد أحدثت حالة من الذعر في أروقة البورصات، مما دفع الصناديق الاستثمارية الكبرى إلى إعادة توزيع محافظها لصالح المعادن النفيسة.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، ورغم إعلان البيت الأبيض عن إحراز “بعض التقدم” في محادثات جنيف هذا الأسبوع، إلا أن التصريحات الرسمية تؤكد بقاء فجوات جوهرية في القضايا الأمنية والعسكرية. وما زاد من قلق الأسواق هو اجتماع كبار مستشاري الأمن القومي في “غرفة العمليات” بالبيت الأبيض، وتوجيه التعليمات لكافة القوات المنتشرة في المنطقة بضرورة الجاهزية القصوى بحلول منتصف مارس، مما يعزز التوقعات بأن الأسابيع القليلة المقبلة ستكون حاسمة وحافلة بالتقلبات.
الاحتياطي الفيدرالي: انقسام استراتيجي يربك التوقعات
بجانب المحرك الجيوسياسي، يراقب المتداولون بكثافة بيانات الاقتصاد الكلي الأمريكي لتحديد المسار المستقبلي للفائدة. كشف محضر اجتماع يناير عن انقسام داخلي عميق ومثير للقلق؛ فبينما يسود إجماع مؤقت على تثبيت الفائدة في الوقت الراهن، تظل الرؤية منقسمة حول الخطوة التالية:
- جناح التشدد: يرى ضرورة رفع الفائدة مجدداً إذا ظل التضخم عنيداً وفوق المستويات المستهدفة، مدفوعاً بارتفاع تكاليف الطاقة الناتجة عن أزمات الشرق الأوسط.
- جناح التيسير: يميل لدعم خفض الفائدة إذا ظهرت بوادر ركود اقتصادي أو تراجع ملموس في الضغوط التضخمية.
وتشير أداة “فيد ووتش” (CME FedWatch) إلى أن الأسواق تسعر حالياً أول خفض لأسعار الفائدة في شهر يونيو المقبل. ومن الناحية الاقتصادية، تمثل الفائدة المنخفضة بيئة خصبة لنمو المعادن النفيسة، حيث تنخفض “تكلفة الفرصة البديلة” لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً دورياً مقارنة بالسندات.
البيانات المرتقبة وبوصلة الأسعار القادمة
تتجه الأنظار الآن نحو حزمة من البيانات الاقتصادية المفصلية، بدءاً من طلبات إعانة البطالة الأسبوعية، وصولاً إلى تقرير نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) المقرر صدوره يوم الجمعة. وبما أن هذا التقرير هو المقياس المفضل لدى الفيدرالي لقياس التضخم، فإنه سيلعب دوراً محورياً في تحديد ما إذا كانت أسعار الذهب ستعزز مكاسبها فوق مستويات الـ 5000 دولار، أم أنها ستخضع لعمليات جني أرباح وتصحيح فني نتيجة ارتفاع الدولار.
ملخص أداء المعادن النفيسة اليوم:
- الذهب الفوري: 5,012.83 دولار (+0.7%) – يختبر مناطق سعرية تاريخية.
- الفضة: 79.24 دولار (+2.7%) – مدعومة بضغوط العرض والطلب المادي.
- البلاتين: 2,100.45 دولار (+1.4%) – انتعاش مع تحسن التوقعات الصناعية.
- البلاديوم: 1,733.45 دولار (+1.0%) – مكاسب طفيفة مع ترقب إمدادات المناجم.
ختاماً، يثبت الذهب مرة أخرى أنه “الملاذ الأخير” الذي يوفر الأمان الحقيقي في ظل تقاطع الأزمات الجيوسياسية المعقدة مع التحولات الهيكلية في السياسات النقدية العالمية. إن بلوغ مستوى 5000 دولار ليس مجرد رقم، بل هو إعلان عن حقبة جديدة من عدم اليقين الاقتصادي العالمي.
اقرأ أيضا…



