أسعار النفط تهبط لأدنى مستوى في أسبوعين

شهدت أسعار النفط العالمية تراجعاً ملحوظاً بنحو 2%، لتسجل أدنى مستوياتها منذ مطلع فبراير الجاري. يأتي هذا الهبوط مدفوعاً بحالة من التفاؤل الحذر في الأوساط الدبلوماسية، تزامناً مع أنباء عن إحراز تقدم ملموس في المباحثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. ويترافق هذا المشهد مع عوامل فنية وأخرى تتعلق بزيادة المعروض من كبار المنتجين مثل كازاخستان وروسيا، مما خلق ضغطاً مزدوجاً على الأسعار في التداولات الأخيرة.
أداء سوق الخام: برنت وتكساس تحت وطأة التقلبات
في تعاملات منتصف فبراير 2026، سجلت العقود الآجلة لخام برنت انخفاضاً قدره 1.41 دولار، أو ما يعادل 2.1%، لتصل إلى 67.24 دولار للبرميل. وفي الوقت نفسه، تراجع خام غرب تكساس (WTI) بنسبة 1.0% ليستقر عند 62.24 دولار للبرميل، بعد جلسة اتسمت بالتذبذب الحاد حيث ارتفعت الأسعار في بدايتها قبل أن ترتد هبوطاً.
هذه التحركات تضع المؤشرات الرئيسية للنفط على مسار أدنى إغلاق لها منذ مطلع الشهر، مما يعكس تحولاً جوهرياً في معنويات المستثمرين؛ حيث انتقل التركيز من “علاوة المخاطر الجيوسياسية” التي كانت تدعم الأسعار، إلى “رهانات التهدئة” التي تغذي التوقعات بوفرة الإمدادات في المدى المنظور.
الدور الإيراني: مفاوضات جنيف وانعكاساتها الهيكلية على المعروض
تعد العلاقة المعقدة بين واشنطن وطهران المحرك الأساسي لتقلبات أسعار النفط في الوقت الراهن. فقد كشف وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، عن التوصل لتفاهم حول “المبادئ التوجيهية” الأساسية خلال الجولة الثانية من المحادثات غير المباشرة في جنيف.
وعلى الرغم من إيضاحات الأطراف بأن الاتفاق النهائي ليس وشيكاً بالضرورة، إلا أن مجرد الانفراجة في المسار التفاوضي أدت إلى تقلص “بريميم المخاطر” (Risk Premium). إن أي تقدم في هذا الملف يحمل تداعيات اقتصادية ضخمة، تتمثل في احتمالية رفع القيود المفروضة على صادرات إيران، التي تعد ثالث أكبر منتج في منظمة أوبك لعام 2025 وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مما يعني تدفق كميات إضافية من الخام إلى الأسواق الآسيوية المتعطشة.
المخاطر الجيوسياسية ومضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي
تراقب الأسواق المالية عن كثب أي تصعيد عسكري قد يهدد أمن الملاحة في مضيق هرمز، الممر المائي الذي يعبره نحو خُمس استهلاك النفط العالمي يومياً. إن حدوث أي انفراجة دبلوماسية حقيقية يعني بالتبعية:
- استقرار سلاسل الإمداد: تقليل احتمالات تعطل الشحنات الصادرة من كبار المنتجين مثل السعودية والعراق والإمارات والكويت.
- عودة الصادرات الإيرانية: قدرة طهران على استعادة حصتها السوقية بشكل قانوني، مما يغير خارطة التوازنات بين العرض والطلب العالمي، ويقلل من الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة الأكثر تكلفة.
زيادة المعروض العالمي: تعافي حقل تنغيز والنفط الروسي
لم تكن المباحثات الدبلوماسية العامل الوحيد الكابح للأسعار؛ بل ساهمت تقارير الإنتاج الميدانية في تعزيز النظرة التشاؤمية لنمو الأسعار:
- كازاخستان: بدأ حقل “تنغيز” العملاق باستعادة طاقته الإنتاجية تدريجياً بعد اضطرابات فنية في يناير. وتعد عودة هذا الحقل للعمل بكامل طاقته المقررة في أواخر فبراير إشارة قوية للمستثمرين بأن ثغرات الإمداد يتم ردمها بسرعة.
- المسار الروسي-الأوكراني: تترقب الأسواق نتائج جولات السلام الجديدة برعاية أمريكية، حيث يرى المحللون أن أي تسوية سياسية قد تتبعها انفراجة في العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الروسي. وبالنظر إلى أن روسيا كانت ثالث أكبر منتج للخام عالمياً في 2025، فإن عودتها الكاملة للمنظومة التجارية الدولية قد تؤدي إلى “تخمة” في المعروض تضغط بقوة على مستويات الأسعار الحالية.
توقعات المحللين: صراع الدبلوماسية والأساسيات
تتفق التحليلات الاقتصادية على أن أسعار النفط ستظل رهينة “الدبلوماسية المتقلبة” بدلاً من أساسيات السوق التقليدية في الأمد القصير. ويرى الخبراء أن الأسواق تمر بمرحلة “إعادة تقييم”، حيث توازن بين استمرار الهجمات على البنية التحتية للطاقة وبين الآمال في حلول سياسية شاملة.
تشير التوقعات المحدثة لوكالة الطاقة الدولية إلى احتمالية وجود فائض في المعروض قد يتجاوز 3.7 مليون برميل يومياً خلال عام 2026، خاصة مع توسع الإنتاج خارج دول أوبك+. هذا السيناريو يضع ضغطاً هبوطياً مستداماً، مما قد يدفع صانعي السياسات في الدول المصدرة للنفط إلى إعادة النظر في استراتيجيات الإنتاج للحفاظ على توازن الميزانيات الوطنية.
ختاما تراجع أسعار النفط الأخير ليس مجرد تذبذب عابر، بل هو انعكاس لحالة الترقب الجيوسياسي لما ستسفر عنه الأيام القادمة في جنيف وشرق أوروبا. وبينما يستفيد الاقتصاد العالمي من انخفاض تكاليف الطاقة، تظل الأسواق في حالة تأهب قصوى، بانتظار إشارات واضحة تحدد ما إذا كانت الأسعار ستستقر فوق مستويات 60 دولاراً أم أنها ستنزلق لمستويات أدنى في ظل وفرة المعروض المتوقعة.
اقرأ أيضا…



