أخبار الأسواقأخبار الذهبسلع

أسعار الذهب تهوي بنسبة 2%.. كيف عصفت “قوة الدولار” و”هدوء الجيوسياسة” بالمعدن الأصفر؟

شهدت أسعار الذهب تراجعاً حاداً ومفاجئاً خلال تعاملات اليوم الثلاثاء، 17 فبراير 2026، حيث فقد المعدن النفيس أكثر من 2% من قيمته السوقية في غضون ساعات قليلة. يأتي هذا الهبوط الحاد في وقت حساس للغاية؛ إذ تعاني فيه الأسواق العالمية من نقص حاد في السيولة تزامناً مع عطلات رسمية ممتدة في مراكز التداول الآسيوية والأمريكية الكبرى. هذا الفراغ في أحجام التداول أدى بدوره إلى تضخيم الضغوط البيعية، مما دفع الأسعار للانزلاق نحو أدنى مستوياتها في أكثر من عشرة أيام، وسط حالة من الترقب المشوب بالحذر بين أوساط المتداولين.

هبوط أسعار الذهب: الأرقام والدلالات الفنية

سجلت أسعار الذهب في المعاملات الفورية انخفاضاً بنسبة 1.5% لتستقر عند مستويات 4917.90 دولاراً للأوقية بحلول الساعة 08:00 بتوقيت غرينتش. وكان المعدن قد اختبر مستويات أكثر قسوة حينما لامس في وقت مبكر من الجلسة مستوى 4862 دولاراً، وهو ما يمثل اختراقاً لمستويات دعم فنية كانت صامدة منذ مطلع فبراير الحالي.

ولم تكن العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم أبريل بمنأى عن هذه الضغوط؛ إذ تكبدت خسائر فاقت نظيرتها الفورية بلغت 2.2% لتستقر عند 4936.60 دولاراً للأوقية. هذا التراجع الجماعي لم يقتصر على الذهب وحده، بل انسحب ليشمل قطاع المعادن النفيسة بالكامل كحزمة واحدة؛ حيث هوت الفضة بنسبة 2% لتصل إلى 75.05 دولاراً للأوقية بعد تراجعات صباحية أكثر حدة، في حين سجل البلاتين والبلاديوم تراجعات موازية تراوحت بين 1.5% و1.9%، مما يشير إلى موجة تخارج واسعة من الأصول الملموسة لصالح النقد (Cash).

تحليل العوامل الرئيسية وراء انخفاض أسعار الذهب اليوم

يمكن تفكيك الأسباب المعقدة التي أدت إلى هذا التذبذب العنيف في الأسعار وتحليل تداعياتها عبر ثلاثة محاور استراتيجية:

1. معضلة السيولة وتأثير العطلات العالمية المتزامنة

أجمع المحللون على أن “رقة” أو ضعف السيولة كان المحرك الجوهري لسرعة وتيرة الهبوط. فعندما تغيب مراكز الثقل المالي مثل الصين، وهونغ كونغ، وسنغافورة بمناسبة عطلات رأس السنة القمرية، وتتزامن مع إغلاق الأسواق الأمريكية بمناسبة “يوم الرؤساء”، يصبح السوق عرضة للتحركات الكبيرة بأقل أحجام تداول. في مثل هذه البيئة، يؤدي غياب الطلب الشرائي المؤسسي (Bids) إلى جعل أي أمر بيع كبير قادراً على دفع الأسعار للانزلاق في “فراغ سعري”، وهو ما يفسر وصول الذهب إلى قيعان لم يزرها منذ أسبوعين تقريباً في وقت قياسي.

2. التغول السعري لمؤشر الدولار الأمريكي (DXY)

ارتفع مؤشر الدولار بنسبة 0.3% أمام سلة من العملات الرئيسية، مستفيداً من حالة اليقين النسبي حول متانة الاقتصاد الأمريكي. ومن المنظور الاقتصادي الكلي، تمثل قوة الدولار “ضريبة” مباشرة على المستثمرين في المعدن الأصفر؛ حيث تزيد من تكلفة الشراء المبدئية للمستثمرين الذين يستخدمون عملات غير الدولار (مثل اليورو أو الين). هذا الارتفاع في التكلفة يؤدي بشكل آلي إلى تقليص الطلب الاستثماري المادي وعقود التحوط، مما يضع أسعار الذهب تحت مقصلة الدولار القوي.

3. الانفراجة الجيوسياسية وأثرها على “علاوة المخاطر”

لعبت الأنباء الدبلوماسية الواردة من جنيف دوراً محورياً في تفتيت “علاوة المخاطر” التي كانت تدعم الأسعار فوق مستويات الـ 5000 دولار. فتصريحات الرئيس الأمريكي حول التقارب “غير المباشر” في الملف النووي الإيراني، وبدء وساطات بين الجانبين الروسي والأوكراني، أعطت إشارات للأسواق بأن التوترات التي كانت تدفع الذهب للأعلى قد بدأت في الهدوء. تاريخياً، يميل المستثمرون للتخلي عن الذهب “كملاذ آمن” والعودة للأصول ذات العائد بمجرد ظهور بوادر استقرار سياسي، وهو ما نراه يتجسد في حركة السعر الحالية.

التوقعات المستقبلية ومسار السياسة النقدية

تتجه الأنظار الآن بكثافة نحو “محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي” المقرر صدوره غداً الأربعاء. هذا المستند يمثل خارطة الطريق التي سيتحرك بناءً عليها المستثمرون في الأسابيع المقبلة، حيث سيكشف عن مدى انقسام أعضاء البنك المركزي حول وتيرة خفض الفائدة. حالياً، تشير التوقعات إلى احتمالية البدء في التيسير النقدي في يونيو المقبل، ولكن أي “لهجة تشددية” غير متوقعة قد تعني بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، مما سيزيد من الضغط السلبي على الذهب.

التداعيات الاستراتيجية: إن الذهب، بصفته أصلاً لا يدر عائداً دورياً، يزدهر فقط عندما تنخفض “تكلفة الفرصة البديلة” (أي عندما تكون الفائدة منخفضة). لذا، فإن المعركة القادمة لأسعار الذهب ستكون مرتبطة بمدى قدرة البيانات الاقتصادية الأمريكية على إقناع الفيدرالي بضرورة التحرك السريع لخفض الفائدة.

التحليل الفني المعمق: مستويات الصراع السعري

على الرغم من موجة التصحيح الحالية، لا يزال التحليل الفني يشير إلى أن الاتجاه الصاعد طويل الأمد لم ينكسر بعد، بل قد تعتبر هذه الحركة “تفريغاً” للزخم الشرائي الزائد.

  • مستويات الدعم: يمثل مستوى 4900 دولاراً الحاجز النفسي والفني الأول، وبكسره قد تنفتح الأبواب أمام اختبار منطقة 4800 دولار كقاع مؤقت.
  • مستويات المقاومة: تظل منطقة 5120 دولاراً هي العقبة الكؤود أمام المشترين؛ حيث أن استعادة هذا المستوى ضرورية لإعادة الثقة والزحف مجدداً نحو القمم التاريخية القريبة من 5600 دولار للأوقية.

ختاما تظل أسعار الذهب في حالة مخاض ناتجة عن تقاطع البيانات الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية. وفي ظل هذه “الضبابية” الفنية، يُنصح المستثمرون بتبني استراتيجيات متوسطة المدى، مع مراقبة وثيقة لمستويات السيولة التي قد تعود للتدفق بشكل طبيعي مع انتهاء العطلات الآسيوية، مما قد يعيد التوازن لقوى العرض والطلب في سوق المعدن النفيس.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى