أسعار النفط تتراجع تحت ضغط توقعات وكالة الطاقة الدولية وزيادة المخزونات الأمريكية

شهدت أسعار النفط تراجعاً ملحوظاً وحالة من عدم الاستقرار خلال تعاملات يوم الخميس، حيث طغت المخاوف المتزايدة والمتعلقة بتباطؤ الطلب العالمي وزيادة المعروض على حالة القلق الجيوسياسي المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط. ويأتي هذا الهبوط مدفوعاً بتقرير وكالة الطاقة الدولية الأخير الذي رسم صورة قاتمة ومتحفظة لمستقبل استهلاك الطاقة العالمي، مما دفع المستثمرين لإعادة تقييم مراكزهم المالية بعمق في ظل مؤشرات تقنية تدل على وجود تخمة معروض محتملة قد تثقل كاهل الأسواق لفترة أطول مما كان متوقعاً.
أداء العقود الآجلة: برنت والخام الأمريكي
تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 30 سنتاً، أي ما يعادل 0.43%، لتستقر عند مستويات 69.10 دولاراً للبرميل، وهو مستوى يعكس حالة الحذر الشديد والتحفظ لدى المضاربين الذين يخشون كسر مستويات الدعم النفسية عند 65 دولاراً. كما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 23 سنتاً، أو 0.36%، ليجري تداوله عند 64.40 دولاراً للبرميل، متأثراً بالبيانات المحلية القوية التي تشير إلى وفرة المعروض في مراكز التخزين الرئيسية مثل “كوشينغ”.
هذا التراجع في أسعار النفط جاء ليمحو كافة المكاسب الصباحية الهشة التي تحققت في بداية الجلسة، مما يثبت بالدليل القاطع أن السوق باتت أكثر حساسية للبيانات الاقتصادية الهيكلية والأرقام الصادرة عن المؤسسات الدولية الرصينة، مقارنة بالتوترات السياسية التي باتت الأسواق تمتص تأثيرها وتتعايش معها بشكل أسرع من السابق، معتبرة إياها “ضوضاء جيوسياسية” ما لم تترجم إلى انقطاع فعلي وملموس في تدفقات الخام.
وكالة الطاقة الدولية وتخفيض توقعات الطلب
أعلنت وكالة الطاقة الدولية (IEA) في تقريرها الشهري عن مراجعة تنازلية جريئة لتوقعات نمو الطلب العالمي على النفط لعام 2026. وأوضحت الوكالة في ثنايا تقريرها أن معدلات الاستهلاك ستنمو بوتيرة أبطأ بكثير مما كان مقدراً في التقارير السابقة، محذرة من ظهور “فائض ضخم” قد يؤدي إلى اختلال ميزان القوى بين المنتجين والمستهلكين. هذا التحذير جاء رغم وجود انقطاعات فنية وجدولة صيانة في بعض خطوط الإمداد والموانئ التي قلصت المعروض بشكل مؤقت خلال شهر يناير الماضي، إلا أن المرونة العالية لكفاءة الإنتاج في مناطق أخرى، وخاصة في حوض بيرميان، عوضت هذا النقص بسرعة قياسية فاقت تقديرات المحللين.
مثل هذا التقرير نقطة تحول جوهرية في معنويات كبار المتداولين ومديري المحافظ، حيث أعاد توجيه الأنظار نحو الأساسيات الصلبة والمقلقة للسوق؛ وهي أن نمو الإنتاج العالمي، وخاصة من خارج تحالف أوبك بلس، بات يتجاوز بوضوح قدرة الاستهلاك الصناعي واللوجستي العالمي على الاستيعاب، خاصة في ظل التحول المتسارع نحو حلول الطاقة النظيفة وتحسن كفاءة المحركات والوقود في الاقتصادات المتقدمة التي بلغت مرحلة “ذروة الطلب”.
المخزونات الأمريكية: مفاجأة غير سارة للأسواق
لم تكن تقارير الوكالة الدولية هي الضغط الوحيد الذي واجهته أسعار النفط؛ فقد جاءت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) لتعمق جراح الأسعار عبر الكشف عن قفزة هائلة وغير متوقعة في مخزونات الخام بالولايات المتحدة، مما يعطي إشارة واضحة على تراجع وتيرة الطلب في أكبر سوق استهلاكي في العالم.
- حجم الزيادة الهائل: ارتفعت المخزونات بمقدار 8.5 مليون برميل لتصل إلى إجمالي 428.8 مليون برميل. هذا التراكم لا يعكس فقط وفرة الإنتاج، بل يشير أيضاً إلى ضعف عمليات السحب التقليدية التي تحدث عادة في مثل هذا الوقت من العام.
- التوقعات مقابل الواقع الصادم: صدمت هذه الأرقام الأسواق بصورة عنيفة؛ إذ كانت تقديرات المحللين والخبراء في استطلاعات “رويترز” تتنبأ بزيادة طفيفة لا تتجاوز 793 ألف برميل. هذه الفجوة الواسعة التي تقدر بعشرة أضعاف التوقعات تقريباً، عززت المخاوف من ركود صامت في الطلب الداخلي بالولايات المتحدة.
- نشاط التكرير ومعضلة المصافي: انخفضت معدلات تشغيل المصافي الأمريكية بمقدار 1.1 نقطة مئوية لتصل إلى 89.4%. هذا الانخفاض ليس مجرد رقم تقني، بل هو رسالة من شركات التكرير بأن هوامش الربح قد بدأت تتقلص، مما يدفعها لتقليل مشترياتها من النفط الخام، وهو ما يؤدي بالتبعية إلى تراكم الفائض الفعلي وتدني الأسعار الفورية في مراكز البيع الرئيسية.
التوترات الجيوسياسية: عامل دعم هش ومؤقت
على الجانب الآخر، تظل التوترات المتصاعدة والمعقدة بين واشنطن وطهران تمثل “أرضية” نفسية ودعامة مؤقتة تمنع أسعار النفط من الانزلاق الحر دون مستويات الدعم الحرجة. فبعد المحادثات التي أجراها الرئيس الأمريكي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، سادت حالة من الترقب والحذر بعد التصريحات التي أكدت عدم التوصل لقرار نهائي بشأن استراتيجية “الضغط الأقصى” على طهران، مع التلميح المستمر للتصعيد العسكري عبر احتمالية إرسال تعزيزات بحرية إضافية وحاملة طائرات ثانية إلى المياه الإقليمية القريبة من مضيق هرمز.
هذه الضبابية السياسية توفر ما يسمى بـ “علاوة مخاطر الجيوسياسية” التي تمنع الأسعار من الانهيار الكامل تحت وطأة البيانات الاقتصادية السلبية. ومع ذلك، يجمع المحللون على أن هذه العلاوة باتت هشة للغاية وغير مستدامة؛ لأن السوق بات يدرك أن أي صراع قد لا يؤدي بالضرورة إلى انقطاع طويل الأمد في الإمدادات، خاصة مع وجود احتياطيات استراتيجية ضخمة لدى الدول المستهلكة، مما يجعل أسعار النفط أكثر ارتباطاً بحقائق المخزونات منه بتهديدات السياسة.
في الختام، يظهر المشهد الحالي أن أسعار النفط ستبقى أسيرة حالة من “حرب الاستنزاف” بين القوى الهيكلية الهابطة (وفرة الإنتاج، زيادة المخزونات، وتشاؤم وكالة الطاقة الدولية) وبين القوى الجيوسياسية التي تحاول رفع السعر. ومع غياب محفزات حقيقية على جبهة الطلب الصيني أو بوادر اتفاقيات جديدة لتعميق خفض الإنتاج، فإن المسار المرجح في المدى المنظور هو بقاء الأسعار تحت ضغوط بيعية مستمرة، مع احتمالية عالية لاختبار مستويات دعم جديدة إذا استمر تراكم المخزونات الأمريكية بنفس الوتيرة الحالية.
اقرأ أيضا…



