نمو طفيف للاقتصاد البريطاني بنسبة 0.1% في الربع الرابع

شهد الاقتصاد البريطاني حالة من التوسع المتواضع للغاية خلال الربع الأخير من عام 2025، حيث كشفت البيانات الأولية الصادرة عن مكتب الإحصاء الوطني (ONS) عن نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة لم تتجاوز 0.1%. وتعكس هذه الأرقام المحدودة حالة من “الجمود الاقتصادي” الذي يلقي بظلاله على الأسواق، ويضع صانعي السياسة النقدية في بنك إنجلترا أمام معضلة حقيقية في مطلع العام الجديد، ما بين كبح التضخم وتحفيز وتيرة النمو المتباطئة.
تحليل أرقام النمو: أداء أدنى من مستويات الثقة
على الرغم من نجاح الاقتصاد في البقاء ضمن النطاق الإيجابي وتفادي الانكماش التقني، إلا أن نسبة الـ0.1% المسجلة جاءت مخيبة لآمال المحللين الذين استطلعت “رويترز” آراءهم؛ حيث كانت التوقعات المتفائلة تشير إلى نمو لا يقل عن 0.2%. وبذلك، يستمر الاقتصاد البريطاني في السير ضمن وتيرة النمو ذاتها التي شهدها في الربع الثالث، مما يكرس حالة “الاستقرار الهش” التي تجعل الاقتصاد عرضة لأي صدمات خارجية أو داخلية مفاجئة.
وعلى الصعيد الشهري، سجل الأداء الاقتصادي توسعاً بنسبة 0.1% في ديسمبر، وهو ما يمثل تراجعاً ملحوظاً مقارنة بنمو شهر نوفمبر الذي بلغ 0.2% (بعد تعديله هبوطاً من 0.3%). وقد استقبلت أسواق العملات هذه البيانات بحذر، حيث استقر الجنيه الإسترليني أمام الدولار عند مستويات 1.3624 دولار، في إشارة إلى انتظار المستثمرين لإشارات أكثر وضوحاً بشأن التوجهات القادمة للبنك المركزي.
القطاعات الاقتصادية: تباين حاد بين التصنيع والخدمات
وصفت “ليز مكيون”، مديرة الإحصاءات الاقتصادية في مكتب الإحصاء الوطني، المشهد الحالي بأنه “صورة اقتصادية مختلطة” تتسم بعدم التجانس بين القطاعات المختلفة، ويمكن تحليل هذا التباين كالتالي:
- قطاع الخدمات: وهو المحرك الاستراتيجي والمهيمن على الاقتصاد البريطاني (يمثل نحو 80% من الناتج المحلي)، أصيب بحالة من الركود التام مع غياب أي نمو يذكر. ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى تراجع القوة الشرائية للمستهلكين وحالة الحذر في الإنفاق العائلي نتيجة ضغوط المعيشة.
- قطاع التصنيع: كان هو “طوق النجاة” الوحيد والدافع الأساسي وراء هذا النمو الطفيف، حيث أظهرت المصانع البريطانية مرونة غير متوقعة في تلبية الطلبات الخارجية والداخلية، مما ساعد في تعويض التراجع في القطاعات الأخرى.
- قطاع الإنشاءات: يمثل هذا القطاع نقطة الضعف الأبرز، حيث سجل أسوأ أداء فصلي له منذ أكثر من أربع سنوات. وتعد هذه الانتكاسة نتيجة مباشرة لاستمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض والتمويل العقاري، مما أدى إلى تأجيل أو إلغاء العديد من المشاريع الإنشائية الكبرى وتراجع وتيرة بناء المساكن.
حصاد عام 2025 وآفاق السياسة النقدية
بإلقاء نظرة شاملة على الأداء السنوي، تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد البريطاني قد نما بنسبة إجمالية بلغت 1.3% خلال عام 2025. ورغم أن هذا الرقم يتجاوز نمو عام 2024 (1.1%)، إلا أنه لا يزال بعيداً عن المستويات الصحية اللازمة لخلق وظائف جديدة بشكل مستدام.
تضع هذه البيانات بنك إنجلترا في موقف لا يحسد عليه؛ فبعد أن قرر البنك في اجتماعه الأخير تثبيت أسعار الفائدة عند 3.75% لمواجهة التضخم “اللزج”، يرى خبراء الآن أن استمرار ضعف النمو قد يجبر البنك على تغيير مساره. وتزداد التوقعات داخل الأوساط المالية بأن البنك المركزي قد يضطر لخفض الفائدة في وقت مبكر من شهر أبريل المقبل، وذلك بهدف “تزييت محركات الاقتصاد” وتخفيف الأعباء التمويلية عن الشركات والأسر، تزامناً مع التوقعات التي تشير إلى قرب انكسار حدة التضخم.
رؤية الخبراء: تفاؤل حذر وتحديات قائمة لعام 2026
أشار “صموئيل إدواردز”، رئيس إدارة المحافظ في شركة “إيبري” (Ebury)، إلى أن قدرة الاقتصاد على إنهاء العام بنمو إيجابي -مهما كان طفيفاً- تعد “بارقة أمل” لقطاع الأعمال الذي عانى من تقلبات سياسية وتوجسات سوقية مكثفة. ومع ذلك، حذر من أن الاقتصاد “لا يزال يصارع للبقاء فوق سطح الماء” في ظل تباطؤ سوق الوظائف واستمرار التضخم في بعض القطاعات الحيوية.
من جانبه، طرح “سكوت جاردنر”، الخبير في “جي بي مورجان”، رؤية أكثر تفاؤلاً للمستقبل، حيث يرى أن بوادر التعافي قد تبدأ في الظهور بوضوح خلال عام 2026. وتستند هذه الرؤية إلى النشاط الملحوظ الذي شهده شهر يناير في قطاع التصنيع، وتزايد تدفق الأعمال الجديدة في قطاع الخدمات، مما قد يشير إلى أن الأسوأ قد مر بالفعل، وأن الاقتصاد البريطاني يتحضر لدورة نمو أكثر قوة واستقراراً في العام المقبل.
اقرأ أيضا…



