بيانات التوظيف غير الزراعية في الولايات المتحدة تسجل مفاجأة إيجابية مطلع 2026

شهد سوق العمل الأمريكي طفرة غير متوقعة في بداية عام 2026، حيث كشفت أحدث بيانات التوظيف غير الزراعية عن إضافة وظائف تجاوزت بكثير توقعات المحللين وخبراء “وول ستريت”. هذا التقرير، الذي تأخر صدوره لما يقرب من أسبوع نتيجة الإغلاق الجزئي للحكومة الذي انتهى في 3 فبراير، منح الأسواق المالية والدوائر الاقتصادية بصيصاً من الأمل، مقلصاً حدة المخاوف المتراكمة بشأن “ركود التوظيف” الذي هيمن على المشهد طوال العام الماضي.
أرقام قوية تتحدى التوقعات والتشاؤم
وفقاً للبيانات التفصيلية الصادرة عن مكتب إحصاءات العمل (BLS)، ارتفع عدد الوظائف في القطاعات غير الزراعية بمقدار 130,000 وظيفة خلال شهر يناير. هذا الرقم لم يتجاوز فقط متوسط تقديرات “داو جونز” البالغ 55,000 وظيفة، بل مثل تحسناً جوهرياً مقارنة بشهر ديسمبر الذي شهد نمواً هزيلاً قدره 48,000 وظيفة بعد مراجعة نزولية طفيفة. تعكس هذه القفزة مرونة مفاجئة في قدرة الشركات على استيعاب العمالة رغم ضغوط التضخم وتكاليف الاقتراض.
وعلى صعيد متصل، سجل معدل البطالة انخفاضاً طفيفاً ليصل إلى 4.3%، متفوقاً على التوقعات التي رجحت بقاءه ثابتاً عند 4.4%. والأهم من منظور التحليل العميق، هو تراجع المقياس الأوسع للبطالة (U-6) – الذي يشمل العمال المحبطين الذين توقفوا عن البحث وأولئك الذين يعملون بدوام جزئي لأسباب اقتصادية قهرية – حيث انخفض بمقدار 0.4 نقطة مئوية ليصل إلى 8%. هذا التراجع يشير إلى تحسن في نوعية الامتصاص العمالي وتوزيع الفرص المتاحة.
تحليل القطاعات: الرعاية الصحية تقود الركب والإنشاءات تستعيد عافيتها
عند الغوص في تفاصيل بيانات التوظيف غير الزراعية، يتضح أن قطاع الرعاية الصحية لا يزال يمثل “العمود الفقري” لنمو الوظائف في أمريكا، حيث أضاف وحده 82,000 وظيفة جديدة. كما ساهم قطاع المساعدات الاجتماعية بـ 42,000 وظيفة، مما يعني أن هذين القطاعين كانا مسؤولين عن الجزء الأكبر من صافي خلق الوظائف. ومن المفارقات الإيجابية، شهد قطاع الإنشاءات نمواً بواقع 33,000 وظيفة، وهي إشارة قوية على عودة النشاط العمراني بعد عام من الركود النسبي.
في المقابل، لم يخلُ التقرير من نقاط ضعف تعكس التوجهات السياسية والإدارية الجديدة:
- الوظائف الفيدرالية: تراجعت بمقدار 34,000 وظيفة، وهو ما عزاه مكتب إحصاءات العمل إلى خروج الموظفين الذين قبلوا استقالات مؤجلة في أعقاب التخفيضات التي أقرتها “وزارة كفاءة الحكومة”.
- الأنشطة المالية: استمرت في الانكماش بفقدان 22,000 وظيفة، نتيجة استمرار ضغوط التحول الرقمي وإعادة هيكلة القطاع المصرفي.
قراءة اقتصادية: هل استقر سوق العمل فعلياً؟
تصف “هيذر لونج”، كبيرة الاقتصاديين في Navy Federal Credit Union، هذا الأداء بأنه “طفرة يناير”، مشيرة إلى أنها كافية لتحقيق نوع من الاستقرار في سوق كان يعاني من حالة “تجميد” شبه كاملة طوال عام 2025. ورغم هذا التفاؤل، تبرز المراجعات السنوية النهائية لتعيد رسم الصورة الكلية؛ حيث تم خفض الأرقام التاريخية حتى مارس 2025 بنحو 898,000 وظيفة، مما يؤكد أن الزخم الحقيقي كان أقل بكثير مما كان يُعتقد سابقاً.
هذا المسار يعزز فرضية أن سوق العمل يمر بمرحلة “نمو منخفض” (Low-growth mode)، حيث تتوفر الوظائف ولكن بحذر شديد، مع ظهور بوادر تشتت في عمليات التسريح الجماعي بدلاً من تركيزها في قطاع واحد.
تأثير البيانات على سياسة الفيدرالي والأسواق
تفاعلت الأسواق المالية فوراً مع صدور بيانات التوظيف غير الزراعية؛ حيث قفزت عوائد سندات الخزانة وارتفعت العقود الآجلة للأسهم، مما يعكس ارتياح المستثمرين لعدم انهيار سوق العمل. أما بالنسبة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، فإن هذه البيانات القوية تجعل من الصعب تبرير خفض أسعار الفائدة في وقت مبكر.
وتشير أداة “FedWatch” من مجموعة CME إلى أن المستثمرين رفعوا رهاناتهم على بقاء الفائدة دون تغيير في اجتماع مارس المقبل. وما يدعم هذا التوجه هو نمو متوسط الأجر بالساعة بنسبة 0.4% شهرياً و3.7% على أساس سنوي. هذه الزيادة، رغم أنها إيجابية للعمال، إلا أنها تضع الفيدرالي في حالة ترقب خشية أن تتحول قوة الأجور إلى وقود جديد للتضخم، مما يرجح تأجيل أي خفض للفائدة حتى شهر يونيو على أقل تقدير.
ختاما تمثل نتائج يناير دفعة معنوية هامة للاقتصاد الأمريكي في مستهل العام، لكنها تظل محفوفة بالمخاطر الهيكلية. إن سياسات التشدد في الهجرة والضغوط الناتجة عن التعريفات الجمركية لا تزال تثير مخاوف الشركات، مما قد يدفعها مستقبلاً إلى تجميد خطط التوسع العمالي. ومع ذلك، فإن ارتفاع معدل المشاركة في القوى العاملة إلى 62.5% واستجابة المسح المنزلي القوية (الذي أظهر إضافة 528,000 عامل) تعطي دلالة على أن سوق العمل قد تجاوز مرحلة القاع وبدأ في مرحلة بناء استقرار جديد، وإن كان بوتيرة أبطأ من السنوات الماضية.
اقرأ أيضا…



