أخبار الأسواقأخبار الذهبسلع

أسعار الذهب تقفز مع تراجع الدولار والأسواق تترقب بيانات التوظيف الأمريكية

شهدت أسعار الذهب ارتفاعاً ملحوظاً خلال تعاملات يوم الأربعاء، مستفيدة من التقاء عدة عوامل فنية وأساسية، على رأسها التراجع الملموس في قيمة الدولار الأمريكي وانخفاض عوائد سندات الخزانة. يأتي هذا التحرك الإيجابي للمعدن الأصفر في وقت يترقب فيه المستثمرون وصناع القرار بحذر شديد صدور بيانات الوظائف الأمريكية الرئيسية، والتي ستشكل حجر الزاوية وبوصلة توجهات السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) خلال اجتماعاته المقبلة في هذا العام.

أداء أسعار الذهب في الأسواق الفورية والآجلة

في تفاصيل التداولات، ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.5% ليصل إلى مستوى 5,048.27 دولاراً للأوقية (الأونصة). ولم تتخلف العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم أبريل عن هذا الركب الصعودي، حيث سجلت نمواً بنسبة 0.8% لتستقر عند 5,072.60 دولاراً، مما يعكس تفاؤلاً في أوساط المتداولين بشأن استدامة هذا الزخم.

ويعزو الخبراء والمحللون هذا الارتفاع بشكل مباشر إلى حالة الوهن التي أصابت العملة الخضراء؛ حيث هبط مؤشر الدولار إلى أدنى مستوياته في قرابة أسبوعين. هذا الهبوط في العملة يجعل الذهب، المقوم عالمياً بالدولار، أكثر جاذبية وأقل تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، مما يحفز الطلب العالمي ويدفع بالأسعار نحو مستويات مرتفعة جديدة.

انخفاض العوائد يعزز جاذبية المعدن الأصفر كملجأ آمن

لم يكن الدولار هو المحرك الوحيد في الساحة؛ فقد تراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات (المعيار العالمي للعوائد) إلى أدنى مستوى لها في نحو شهر. وجاء هذا الانخفاض الحاد كنتيجة طبيعية للبيانات المخيبة للآمال التي أظهرت انكماشاً غير متوقع في مبيعات التجزئة الأساسية في الولايات المتحدة لشهر ديسمبر، بالإضافة إلى إجراء مراجعات هبوطية كبيرة لأرقام شهري نوفمبر وأكتوبر الماضيين، مما أعطى إشارات واضحة على تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي.

ومن المنظور التحليلي العميق، يؤدي انخفاض العوائد إلى تقليل ما يعرف بـ “تكلفة الفرصة البديلة” لحيازة الذهب. ففي البيئات التي ترتفع فيها العوائد، يفضل المستثمرون السندات التي تدر عائداً ثابتاً، ولكن عندما تتراجع هذه العوائد، يصبح الذهب – الذي لا يدر عائداً دورياً – هو الخيار المفضل والملجأ الأكثر أماناً لحفظ القيمة ضد التقلبات، مما يؤدي إلى انتقال السيولة من أسواق الدين إلى الملاذات الآمنة.

بيانات التوظيف: المحرك القادم للأسواق والسياسة النقدية

تتجه كافة الأنظار اليوم صوب تقرير الوظائف غير الزراعية (Non-farm Payrolls) الصادر عن وزارة العمل الأمريكية، وهو التقرير الذي يعد الأكثر تأثيراً على قرارات الفيدرالي. وتشير توقعات الأسواق والخبراء حالياً إلى:

  • إضافة نحو 70,000 وظيفة فقط خلال الشهر الماضي، وهو رقم يعكس تباطؤاً ملحوظاً مقارنة بـ 50,000 وظيفة تمت إضافتها في ديسمبر (وفقاً لمراجعات أولية).
  • استقرار معدل البطالة عند مستويات 4.4%، مما يشير إلى سوق عمل بدأ يفقد بعضاً من مرونته المعهودة.
  • توقعات بتباطؤ نمو الأجور السنوية، مما يقلل من الضغوط التضخمية الناتجة عن زيادة الأجور.

علاوة على ذلك، يترقب المحللون قيام مكتب إحصاءات العمل بمراجعة سنوية شاملة، من المتوقع أن تكشف عن صورة أكثر قتامة؛ حيث تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الأمريكي قد يكون خلق وظائف أقل بنحو 911,000 وظيفة عما كان معلناً عنه سابقاً في العام المنتهي في مارس 2025. هذه المراجعات، إن صحت، ستؤكد أن سوق العمل لم يكن بالقوة التي بدت عليها الأرقام في البداية.

رؤية تحليلية لآفاق السياسة النقدية

يؤكد جيوفاني ستونوفو، المحلل الاستراتيجي في بنك UBS، أن “توقع التباطؤ في وتيرة التوظيف يدعم بقوة فرضية استمرار الاحتياطي الفيدرالي في مسار خفض أسعار الفائدة خلال هذا العام”. وبحسب أداة “FedWatch” التابعة لمجموعة CME، بدأ المستثمرون بالفعل في تسعير خفضين إضافيين لأسعار الفائدة على الأقل بحلول عام 2026. وتاريخياً، يزدهر الذهب في بيئات الفائدة المنخفضة؛ حيث تنخفض القيمة الشرائية للعملات الورقية مقابل المعادن الثمينة التي تحافظ على قيمتها الجوهرية.

أداء المعادن النفيسة الأخرى وسوق السلع

لم يتوقف الزخم الصعودي عند أسوار الذهب، بل امتدت الموجة الإيجابية لتشمل سلة المعادن النفيسة بالكامل، مما يشير إلى شهية واسعة للمخاطرة أو رغبة في التحوط الجماعي:

  1. الفضة: قفزت بنسبة قوية بلغت 3.4% لتستقر عند 83.40 دولاراً للأوقية، معوضة خسائرها في الجلسة السابقة.
  2. البلاتين: سجل ارتفاعاً بنسبة 2.8% ليصل إلى 2,146.07 دولاراً، مدفوعاً بآمال تحسن الطلب الصناعي.
  3. البلاديوم: لم يتخلف عن الركب، حيث أضاف 2.6% إلى قيمته ليصل إلى 1,751.79 دولاراً.

ختاما تبقى أسعار الذهب رهينة التجاذب المستمر بين مؤشرات التضخم وبيانات سوق العمل. إن أي ظهور لأرقام توظيف أضعف من المتوقع اليوم سيعتبره المستثمرون “ضوءاً أخضر” للمطالبة بمزيد من خفض الفائدة، مما قد يطلق العنان لموجة صعودية تكسر مستويات المقاومة التاريخية الحالية وتدفع بالذهب نحو آفاق سعرية غير مسبوقة في ظل عدم اليقين الاقتصادي العالمي.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى