الفيدرالي قد يلتزم الصبر ويختار تثبت أسعار الفائدة لفترة طويلة

في وقت تترقب فيه الأسواق العالمية كل إشارة تصدر عن البنك المركزي الأمريكي، جاءت تصريحات رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، “بيث هاماك”، لترسم ملامح مرحلة جديدة من “الصبر النقدي” الصارم. وأكدت هاماك بوضوح أن الفيدرالي ليس في عجلة من أمره لتعديل أسعار الفائدة خلال العام الجاري، مشيرة إلى أن السياسة الحالية قد تظل في حالة “ثبات” لفترة قد تطول، في محاولة لضمان هبوط ناعم للاقتصاد دون التضحية بجهود كبح التضخم.
هاماك وتوجه “الفيدرالي”: الصبر هو المفتاح
خلال خطابها المفصل أمام رابطة المصرفيين في أوهايو في مدينة كولومبوس، أوضحت هاماك أن التوقعات الاقتصادية الحالية تضع الفيدرالي في “موقع استراتيجي جيد” يسمح له بمراقبة تطورات المشهد الاقتصادي المعقد دون الحاجة لتدخلات سريعة أو مفاجئة. وبدلاً من المغامرة بمحاولة “الضبط الدقيق” لأسعار الفائدة بشكل متكرر، فضلت هاماك الانحياز إلى جانب التريث، معتبرة أن الأولوية القصوى هي تقييم الأثر التراكمي لسلسلة التخفيضات السابقة التي بلغت 75 نقطة أساس في العام الماضي، والتي استهدفت دعم سوق العمل المتراجع آنذاك.
النقاط الرئيسية والمعمقة في خطاب هاماك:
- تثبيت الفائدة واستدامة السياسة: توقعت بقاء النطاق المستهدف للفائدة بين 3.5% و3.75% “لفترة طويلة”، معتبرة أن هذا المستوى يعد “محايداً”؛ أي أنه لا يضغط على النشاط الاقتصادي ولا يحفزه بشكل مفرط، مما يمنح الاقتصاد فرصة للاستقرار الذاتي.
- تحدي التضخم العنيد: لا يزال التضخم يمثل حجر العثرة الأكبر؛ حيث حذرت هاماك من مخاطر “الجمود” في وتيرة انخفاض الأسعار، مما قد يبقيها عالقة حول مستويات 3% خلال عام 2026. هذا السيناريو يمثل تهديداً لمصداقية مستهدف الفيدرالي البالغ 2%، خاصة مع وجود ضغوط من تكاليف السكن والخدمات.
- سوق العمل واستقرار “التوظيف المنخفض”: قدمت هاماك وصفاً دقيقاً للوضع الحالي ببيئة “التعيين المنخفض والتسريح المنخفض”. فبينما لا تشهد الشركات موجات تسريح واسعة، فإنها في الوقت ذاته لا تندفع نحو التوظيف الجديد، مما يخلق توازناً هشاً يقلل من حاجة الفيدرالي لخفض الفائدة لتحفيز التوظيف، ويخفف في الوقت نفسه من ضغوط الأجور التضخمية.
معضلة التضخم ومستهدف الـ 2%
رغم التفاؤل الحذر بشأن قوة النمو الاقتصادي، الذي يتوقع أن يحصل على زخم إضافي من تحسن الظروف المالية والدعم المالي الحكومي المرتقب، إلا أن هاماك تظل ضمن المعسكر “المتشكك” في جدوى خفض الفائدة في الوقت الراهن. ويرى المحللون أن الفيدرالي يواجه الآن “معضلة مزدوجة”؛ فمن ناحية، هناك رغبة في تجنب أي ركود محتمل في سوق العمل، ومن ناحية أخرى، ثمة التزام قانوني وأخلاقي بمكافحة التضخم الذي أرهق ميزانيات الأسر لسنوات. إن أي خفض متسرع الآن قد يؤدي إلى اشتعال أسعار المستهلكين مرة أخرى، مما سيضطر البنك المركزي لاحقاً لاتخاذ إجراءات أكثر قسوة.
لا يمكن قراءة تصريحات أعضاء الفيدرالي بمعزل عن العواصف السياسية في واشنطن. فمع اقتراب نهاية ولاية “جيروم باول” في مايو المقبل، يتصاعد الحديث حول “كيفن وارش” كمرشح مفضل للرئيس دونالد ترامب. هذا الترشيح يحمل في طياته دلالات عميقة؛ إذ عرف وارش بانتقاداته السابقة لبعض سياسات البنك المركزي، وهو ما قد يمهد الطريق لتغيير جذري في العقيدة النقدية.هذا التحول المرتقب قد يضع سياسة “الصبر” التي تنتهجها هاماك في مهب الريح. فالرئيس ترامب لم يخفِ رغبته في رؤية تخفيضات “عدوانية وسريعة” في أسعار الفائدة لتمويل خططه التوسعية ودفع النمو الاقتصادي إلى مستويات غير مسبوقة. وإذا ما تأكد تعيين “وارش”، فقد يشهد الفيدرالي صراعاً داخلياً محتدماً بين التكنوقراط الذين يدافعون عن استقلالية القرار النقدي القائم على البيانات، وبين التوجهات السياسية المطالبة بتيسير نقدي واسع النطاق.
ماذا يعني ذلك للمستثمرين والشركات؟
إن الرسالة الجوهرية التي يرسلها الفيدرالي اليوم، بصوت بيث هاماك، هي رسالة “تجميد للوضع القائم”. بالنسبة للمستثمرين في الأسواق المالية، هذا يعني أن عصر الأموال الرخيصة لم يعد قريباً كما كان متوقعاً، وأن تكاليف الاقتراض للشركات والأفراد ستظل مرتفعة نسبياً طوال عام 2026.
تتطلب هذه البيئة من مديري المحافظ المالية استراتيجيات مرنة تتعامل مع تقلبات عوائد السندات، والتركيز على القطاعات التي تظهر قدرة عالية على الصمود في وجه الفائدة المرتفعة. باختصار، نحن نعيش مرحلة “مراقبة وانتظار” قد تحدد مسار الاقتصاد الأمريكي للعقد القادم.
اقرأ أيضا…



