أخبار الأسواقاخبار اقتصاديةأخبار الدولار الأمريكي

تباطؤ نمو تكاليف العمالة في الولايات المتحدة خلال الربع الرابع

شهد الاقتصاد الأمريكي تطوراً جوهرياً في الربع الأخير من العام الماضي، حيث سجلت تكاليف العمالة تباطؤاً غير متوقع في معدلات نموها السنوية. هذا التحول لا يعد مجرد رقم إحصائي عابر في التقارير الدورية، بل هو مؤشر حيوي يعكس حالة من “الارتخاء” المتنامي في سوق العمل بعد فترة طويلة من الانكماش. هذا الهدوء النسبي يمنح صانعي السياسة النقدية في الاحتياطي الفيدرالي مساحة أوسع، وقدرة أكبر على المناورة لتقييم مسار أسعار الفائدة المستقبلي دون الضغط المستمر من جانب تضخم الأجور.

تراجع مؤشر تكلفة التوظيف (ECI) لأدنى مستوى منذ 2021

وفقاً للبيانات التفصيلية الصادرة عن مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل الأمريكية، ارتفع مؤشر تكلفة التوظيف (ECI) بنسبة 0.7% فقط خلال الربع الأخير. ويمثل هذا الرقم تراجعاً ملموساً عن نسبة 0.8% التي تم تسجيلها في الربع الثالث (فترة يوليو-سبتمبر)، وهو ما جاء دون توقعات الاقتصاديين الذين رجحوا استقرار النمو عند مستوياته السابقة.

وعلى الصعيد السنوي، بلغ الارتفاع الإجمالي 3.4% على مدار الـ 12 شهراً الماضية، وهي الزيادة السنوية الأقل حدة منذ الربع الثاني من عام 2021. هذا التباطؤ التدريجي من نسبة 3.5% المسجلة في سبتمبر يعكس بوضوح أن “الحمى” التي أصابت سوق العمل إبان فترة التعافي من الجائحة قد بدأت بالانكسار، تحت وطأة السياسات النقدية المتشددة وتراجع مستويات الطلب العام على اليد العاملة.

لماذا يراقب الاحتياطي الفيدرالي هذا المؤشر تحديداً؟

يُصنف الخبراء والمستشارون الاقتصاديون مؤشر (ECI) كأحد أدق المقاييس وأكثرها موثوقية للتنبؤ باتجاهات التضخم الأساسي؛ وذلك لعدة أسباب جوهرية:

  1. دقة التعديل الهيكلي: على خلاف تقارير متوسط الأجر الساعي، يقوم هذا المؤشر بتعديل التغيرات الناتجة عن تكوين الوظائف وجودتها. بمعنى أنه لا يتأثر بانتقال العمال من قطاعات منخفضة الأجر إلى قطاعات مرتفعة الأجر، مما يعطي صورة “نقية” عن ضغوط التكلفة الحقيقية التي يواجهها أرباب العمل.
  2. قياس فجوة الإنتاج: يعكس بدقة حجم “الفجوة” أو الركود في سوق العمل. فعندما تتباطأ التكاليف، يستنتج صانعو السياسة أن الفائض في الوظائف المتاحة قد بدأ يتقلص، مما يقلل من ضغوط الطلب التي تدفع الأسعار للأعلى.
  3. كسر حلقة التضخم المفرط: يعد تراجع نمو الأجور عاملاً حاسماً في منع تشكل ما يعرف بـ “دوامة الأجور والأسعار”، حيث يضطر الشركات لرفع أسعار منتجاتها لتغطية تكاليف الرواتب المرتفعة، مما يؤدي بدوره لزيادة التضخم ومطالبة العمال بزيادات إضافية.

ديناميكيات سوق العمل: فائض العمالة مقابل فرص العمل

يرتبط هذا التباطؤ في التكاليف بشكل عضوي بتراجع حدة المنافسة في سوق الوظائف. فقد كشفت التقارير الحكومية عن تحول في ميزان القوى بين أصحاب العمل والباحثين عن عمل؛ إذ انخفضت نسبة فرص العمل المتاحة لكل عاطل عن العمل إلى 0.87 في ديسمبر، مقارنة بـ 0.89 في نوفمبر.

وبالنظر إلى المشهد الأوسع، يظهر حجم التغير بوضوح عند مقارنة هذه الأرقام بالعام الماضي، حيث كانت النسبة تصل إلى 1.08 فرصة لكل عاطل. هذا التراجع المستمر يعني أن الشركات لم تعد مضطرة لتقديم حوافز مالية ضخمة أو زيادات استثنائية في الرواتب لجذب الكفاءات، مما أدى بالضرورة إلى تآكل القوة التفاوضية للعمال التي كانت في ذروتها خلال العامين الماضيين.

مقارنة المؤشرات الاقتصادية (الربع الثالث مقابل الرابع)

المؤشر الاقتصادي الربع الثالث الربع الرابع (الحالي) التغير السنوي
نمو تكلفة التوظيف (ECI) 0.8% 0.7% 3.4% (الأدنى منذ 2021)
نمو الأجور والرواتب 0.8% 0.7% 3.3% (تباطؤ من 3.5%)
نسبة الوظائف لكل عاطل 0.89 0.87 انخفاض من 1.08 العام الماضي
الأجور الحقيقية (المعدلة) 0.6% 0.7% زيادة طفيفة في القوة الشرائية

تأثير التعريفات الجمركية ومعضلة أسعار الفائدة

على الرغم من الإشارات الإيجابية القادمة من جبهة الأجور، لا يزال المشهد التضخمي معقداً. فقد برزت التعريفات الجمركية على الواردات كعامل ضغط جديد ساهم في رفع أسعار السلع المستوردة والمواد الخام، مما أبقى معدلات التضخم الإجمالية في مستويات تستوجب الحذر. هذا التباين بين “تضخم الخدمات” (المرتبط بالأجور) و”تضخم السلع” (المرتبط بالتجارة) يضع الاحتياطي الفيدرالي في موقف دقيق.

توقعات السياسة النقدية:

في ظل هذه المعطيات المتداخلة، يجمع المحللون الاقتصاديون على أن الاحتياطي الفيدرالي سيفضل التريث ومراقبة البيانات لفترة أطول، مما يعني ترجيح استقرار أسعار الفائدة خلال النصف الأول من العام الجاري. وتستقر الفائدة حالياً ضمن نطاق 3.50% إلى 3.75%، وهي مستويات تهدف إلى كبح التضخم دون التسبب في ركود حاد، بانتظار دلائل إضافية على أن التباطؤ في تكاليف العمالة سيتُرجم إلى انخفاض مستدام في أسعار المستهلكين.

تحليل الأجور الحقيقية والقوة الشرائية للمستهلك

بالدخول في تفاصيل مكونات التكلفة، نجد أن الأجور والرواتب — التي تمثل العصب الرئيسي لتكاليف العمل — قد نمت بنسبة 3.3% على أساس سنوي. ورغم أن هذا يمثل تباطؤاً رقمياً، إلا أن الصورة تبدو مختلفة عند النظر إليها من زاوية “الأجور الحقيقية” (أي الأجور بعد خصم معدل التضخم).

فقد ارتفعت الأجور الحقيقية بنسبة 0.7% خلال الـ 12 شهراً الماضية، وهو تحسن طفيف مقارنة بزيادة 0.6% في الربع الثالث. هذا يعني أن الموظف الأمريكي، رغم تلقيه زيادات اسمية أقل، بدأ يشعر باستقرار نسبي في قدرته الشرائية نتيجة تباطؤ وتيرة ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية بمعدل أسرع من تباطؤ أجره، مما يدعم استمرار الاستهلاك المحلي الذي يمثل المحرك الأكبر للاقتصاد الأمريكي.

في النهاية يمثل تباطؤ تكاليف العمالة في الولايات المتحدة خلال الربع الرابع لبنة أساسية في بناء مشهد “الهبوط الناعم” للاقتصاد. ومع ذلك، يظل التحدي قائماً في الموازنة بين ضغوط الأجور المتراجعة وضغوط الأسعار الخارجية الناتجة عن السياسات التجارية. ستبقى تقارير الربع القادم هي الفيصل في تحديد ما إذا كان هذا التباطؤ هو اتجاه مستدام سيسمح للفيدرالي ببدء دورة التيسير النقدي، أم أنه مجرد استراحة مؤقتة في مسار تضخمي طويل.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى