الين الياباني يستعيد توازنه بعد فوز “تاكايتشي” وترقب حذر لمستقبل الدولار الأمريكي

شهدت الأسواق المالية العالمية تحولات دراماتيكية في مستهل تداولات الأسبوع، حيث تمكن الين الياباني من امتصاص صدمة التقلبات الأولية واستعادة جزء حيوي من مكاسبه المفقودة أمام سلة العملات الرئيسية، وفي طليعتها الدولار الأمريكي. يأتي هذا التحول الجذري في أعقاب فوز “ساناي تاكايتشي” التاريخي في الانتخابات اليابانية، وهو الحدث الذي لم يقتصر تأثيره على الداخل الياباني، بل أعاد صياغة توقعات المستثمرين الدوليين بشأن السياسات المالية والنقدية في طوكيو، بالتزامن مع حالة من الترقب المشوب بالحذر التي تسبق “عاصفة البيانات” الاقتصادية الأمريكية المنتظرة من واشنطن.
تأثير فوز “تاكايتشي” وتداعياته على استقرار الين
بعد سلسلة من التراجعات التي استمرت لستة أيام تداول متتالية، انتعش الين الياباني يوم الاثنين مدفوعاً بتغير في معنويات المتداولين الذين يراهنون الآن على أن أجندة “تاكايتشي” الاقتصادية المرتكزة على التحفيز المالي الواسع قد تضخ دماءً جديدة في عروق سوق الأسهم اليابانية وتدعم القوة الشرائية. ورغم أن الين سجل هبوطاً أولياً فور إعلان النتائج ليصل إلى أدنى مستوياته في أسبوعين، إلا أنه سرعان ما عكس مساره ليجري تداوله عند مستوى 156.36 مقابل الدولار الأمريكي، محققاً زيادة قدرها 0.5%.
وفي هذا السياق، لم تتأخر السلطات اليابانية في بعث رسائل طمأنة للأسواق؛ حيث صرح “أتوشي ميمورا”، كبير دبلوماسيي العملة، بأن الحكومة تراقب “عن كثب وبحس عالٍ من اليقظة” كافة التحركات في سوق الصرف. هذا التصريح يحمل في طياته تهديداً ضمنياً بالتدخل المباشر في حال حدوث انزلاقات حادة، وهو ما وضع سقفاً واضحاً لمضاربات الثيران على زوج (دولار/ين) ومنع العملة الخضراء من اختراق مستويات مقاومة حرجة في المدى القريب. كما أشار المحللون إلى أن صمود سوق السندات الحكومية اليابانية أمام نتائج الانتخابات منح الين “حماية مؤقتة” من موجات البيع الذعري.
الدولار الأمريكي تحت مجهر البيانات الاقتصادية العنيفة
على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تراجع مؤشر الدولار الأمريكي – الذي يقيس القوة النسبية للعملة الخضراء مقابل سلة من ست عملات عالمية كبرى – بنسبة 0.4% ليستقر عند 97.23 نقطة. ويعزو خبراء الاقتصاد هذا التراجع الطفيف إلى حالة “الهدوء التي تسبق العاصفة”، حيث تستعد الأسواق لأسبوع هو الأهم منذ بداية العام، مليء بالبيانات الصادرة من واشنطن والتي ستحدد المسار المستقبلي للفيدرالي، وتتضمن:
- تقارير مبيعات التجزئة: والتي ستكشف عن مدى مرونة المستهلك الأمريكي في مواجهة أسعار الفائدة الحالية.
- بيانات التضخم (أسعار المستهلكين): وهي المحرك الأول لقرارات الفيدرالي، حيث أن أي قراءة أعلى من المتوقع قد تعيد الزخم لـالدولار الأمريكي.
- تقرير الوظائف الأمريكي المؤجل: الذي سيحسم الجدل حول صحة سوق العمل ومدى الحاجة لخفض الفائدة.
ويرى “كيت جوكس”، رئيس استراتيجيات الصرف في “سوسيتيه جنرال”، أن سيناريو ضعف الدولار الأمريكي يظل مستبعداً ما لم يظهر الاقتصاد الأمريكي إشارات واضحة على “تباطؤ حاد ومفاجئ”، وهو أمر لا تزال البيانات الكلية تظهره كاحتمال ضعيف حتى الآن.
توقعات الفائدة وانعكاساتها على سلوك المستثمرين
وفقاً لأداة “FedWatch” التابعة لمجموعة CME، فقد تراجعت احتمالات إقدام الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع مارس المقبل إلى نحو 15.8%، نزولاً من 18.4% المسجلة نهاية الأسبوع الماضي. هذا الانكماش في التوقعات يعكس قناعة متزايدة لدى المستثمرين بأن الفيدرالي قد يضطر للإبقاء على سياسة نقدية متشددة لفترة أطول مما كان متوقعاً، مما يوفر دعماً بنيوياً للدولار الأمريكي في مواجهة العملات ذات العائد المنخفض.
تحركات العملات العالمية الأخرى: اليورو والإسترليني واليوان
- اليورو: نجحت العملة الأوروبية الموحدة في اقتناص الفرصة لترتفع بنسبة 0.5% وتستقر عند 1.1874 دولار، مستغلة حالة التراجع المؤقت في شهية المخاطرة تجاه الدولار.
- الجنيه الإسترليني: سجل ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.2% مقابل الدولار، إلا أن بريقه خفت أمام اليورو نتيجة الضغوط السياسية المتزايدة في “داونينج ستريت” عقب استقالات متلاحقة في مكتب رئيس الوزراء “كير ستارمر”، مما أثار مخاوف بشأن استقرار التوجهات المالية لبريطانيا.
- اليوان الصيني: برز كأحد أقوى المؤدين في سوق الصرف، حيث قفز إلى أعلى مستوياته في 33 شهراً بعد تقارير “بلومبرغ” التي أشارت إلى توجه بكين لتقليص اعتمادها على السندات الأمريكية، مما يعزز السيادة النقدية لليوان على حساب الدولار الأمريكي.
ختاما يبقى الدولار الأمريكي هو القطب الذي تتمحور حوله كافة تحركات الأسواق العالمية، إلا أن “المتغير الياباني” الجديد قد يقلب الموازين. فإذا أدت سياسات “تاكايتشي” التوسعية إلى زيادة الضغوط التضخمية محلياً، فإن بنك اليابان قد يجد نفسه مضطراً لتسريع الجدول الزمني لرفع أسعار الفائدة، وهو ما قد يؤدي إلى موجة “إعادة ترحيل أموال” ضخمة من الدولار إلى الين.
بالنسبة للمتداولين والمستثمرين، فإن الأيام القادمة تتطلب مراقبة لصيقة لمستويات الدعم الفني لزوج (الدولار/ين) بالقرب من 155.00، مع التأهب لنتائج بيانات التضخم الأمريكية التي ستكون بمثابة “البوصلة” التي ستحدد ما إذا كان التراجع الحالي للدولار هو مجرد تصحيح فني أم بداية لاتجاه هبوطي جديد
اقرأ أيضا…



