البيتكوين في مواجهة الذهب: هل تتبخر أحلام التعافي فوق مستوى 70 ألف دولار؟

يشهد سوق العملات الرقمية حالة من الترقب والحذر الشديدين مع انطلاقة تداولات الأسبوع، حيث اصطدمت محاولات تعافي سعر البيتكوين (Bitcoin) بجدار من الضغوط البيعية غير المتوقعة. فرغم الزخم الإيجابي الملحوظ الذي اكتسبته العملة المشفرة الأولى عالمياً خلال عطلة نهاية الأسبوع، واختراقها الناجح لحاجز 71,000 دولار، إلا أنها سرعان ما فقدت توازنها لتهبط بنسبة 2.5% وتستقر حول مستويات 68,777 دولاراً، مما يعكس هشاشة الثقة الحالية في الأصول الرقمية مقابل الأصول التقليدية.
الذهب يستعيد بريقه ويخطف الأضواء من البيتكوين
يرى كبار المحللين الاقتصاديين أن السبب الجوهري وراء تعثر البيتكوين يكمن في العودة القوية “للملاذ الآمن التقليدي”؛ الذهب. فقد نجح المعدن الأصفر في كسر حواجز نفسية وتاريخية باستقراره فوق مستوى 5,000 دولار للأوقية، وهو ما أدى إلى تحول جذري في استراتيجيات صناديق الاستثمار التي بدأت بسحب السيولة من الأصول الرقمية ذات المخاطر العالية لتوجيهها نحو الذهب، الذي بات يُنظر إليه مجدداً كدرع واقٍ ضد تقلبات الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، أوضح “كريس بوشامب”، كبير محللي السوق في مجموعة (IG)، أن استرداد الذهب لمستويات ما فوق 5,000 دولار يمثل تهديداً وجودياً لأي محاولة صعودية للعملات المشفرة في المدى القريب. وأضاف بوشامب في مذكرة لعملائه: “يبدو أن الذاكرة الجماعية للمستثمرين عادت لتركز على الأصول الملموسة والأساسية مثل النفط والذهب. وبينما يتحدث العالم عن المستقبل من بوابة الذكاء الاصطناعي، نجد أن العملات الرقمية تفشل حالياً في تقديم حجة استثمارية قوية لمنافسة العوائد الحقيقية التي يوفرها الذهب في ظل حالة عدم اليقين السائدة”.
العامل الياباني: الين القوي يضغط على العملات المشفرة
إلى جانب سطوة الذهب، لعبت التحولات الجيوسياسية في اليابان دوراً محورياً في كبح جماح البيتكوين. فقد أسفر الفوز الساحق الذي حققه المحافظون بقيادة “تاكايتشي” في الانتخابات اليابانية الأخيرة عن دفعة قوية للعملة المحلية، مما عزز من قيمة الين مقابل الدولار الأمريكي (DXY). وبما أن الين الياباني يُعتبر تاريخياً عملة تمويل لمنصات المراجحة (Carry Trade)، فإن قوته المفاجئة أدت إلى تصفية مراكز استثمارية واسعة في الأصول الخطرة.
هذا الارتفاع في قيمة الين لم يكتفِ بزيادة الضغط على الدولار فحسب، بل ساهم بشكل غير مباشر في دفع أسعار الذهب للأعلى، مما ضاعف من الضغوط البيعية على البيتكوين. إن التداخل بين السياسة النقدية اليابانية وأسواق السلع يثبت مرة أخرى أن العملات الرقمية لا تزال مرتبطة بشكل وثيق بالاقتصاد الكلي، وليست معزولة عنه كما يروج البعض.
قراءة في المسار التاريخي والآفاق المستقبلية لعام 2026
منذ أن لامست البيتكوين ذروتها التاريخية في أكتوبر 2025 عند مستوى 126,272.76 دولاراً، دخلت العملة في قناة هابطة استنزفت الكثير من قيمتها السوقية. وبالرغم من أن السوق شهد محاولات بائسة للارتداد، إلا أن الأسبوع الماضي سجل أحد أسوأ مستويات الأداء منذ أزمة منصة (FTX)، حيث هبط السعر ليختبر مستويات الدعم الحرجة عند 60,057 دولاراً.
أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه البيتكوين حالياً:
- غياب الزخم الشرائي المؤسسي: على عكس موجة الصعود في 2025، يلاحظ حالياً تراجع في تدفقات صناديق الاستثمار المتداولة (ETFs). فرغم أن الأسعار الحالية قد تبدو “مغرية” للشراء، إلا أن المؤسسات المالية تفضل الانتظار حتى تضح الرؤية بشأن السياسات النقدية العالمية.
- ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة: مع استقرار الذهب فوق حاجز 5,000 دولار، أصبحت تكلفة الاحتفاظ بأصول متقلبة مثل البيتكوين عالية جداً للمستثمرين الذين يبحثون عن الأمان والعوائد المستقرة في آن واحد.
- الارتباط الوثيق بأسواق الأسهم: تشير العقود الآجلة للمؤشرات الأمريكية الكبرى (مثل S&P 500 وNasdaq) إلى بداية أسبوع تتسم بالحذر والنفور من المخاطرة، وهو ما يترجم فوراً إلى تسييل للمراكز في سوق الكريبتو لصالح النقد أو الذهب.
ختاما تقف البيتكوين اليوم عند مفترق طرق حاسم؛ فهي تحتاج إلى “شرارة” إيجابية أو زخم تفاؤلي جديد يتجاوز مجرد التوقعات الفنية لاستعادة ثقة الأسواق. ومع استمرار هيمنة الذهب على المشهد الاقتصادي كخيار أول للتحوط، يظل التحدي الأكبر للعملات الرقمية هو إثبات قدرتها على الصمود كـ “ذهب رقمي” فعلي وليس مجرد أصل مضاربي يتأثر بأدنى اهتزاز في العملات التقليدية.
اقرأ أيضا…



