أسهم التكنولوجيا تحاول التماسك: هل يبرر الإنفاق الملياري على الذكاء الاصطناعي تذبذب الأسواق؟

بعد أسبوع عصيب وصفه المحللون بأنه “هزة أرضية” في وول ستريت، شهد محو أكثر من تريليون دولار من القيمة السوقية، تحاول أسهم التكنولوجيا الكبرى (Big Tech) استعادة توازنها في تداولات هذا الأسبوع. وعلى الرغم من محاولات التعافي الخجولة، إلا أن حالة من الحذر الشديد تسود أوساط المستثمرين؛ إذ يوازن السوق حالياً بين إمكانات النمو الهائلة التي يقدّمها الذكاء الاصطناعي وبين الارتفاع الحاد والمقلق في تكاليف رأس المال الموجهة لبناء البنية التحتية لهذه التقنيات.
أداء متباين لعمالقة التكنولوجيا في الأسواق
شهدت التداولات المبكرة يوم الإثنين تحركات حذرة ومتذبذبة لأسهم عمالقة القطاع؛ حيث استطاع سهم أوراكل الصمود بارتفاع نسبته 1.6%، وتبعه سهم مايكروسوفت بنحو 0.8% في محاولة لتعويض بعض خسائر الأسبوع الماضي. في المقابل، ظل سهم أمازون عالقاً في منطقة الاستقرار دون تغيير يذكر، بينما تراجع سهم ألفابت (الشركة الأم لجوجل) بنسبة 0.5%.
أما سهم إنفيديا، الذي يُعد المحرك الأساسي لثورة الذكاء الاصطناعي، فقد شهد تراجعاً طفيفاً بنسبة 0.9%، وهي حركة تأتي في سياق “جني الأرباح” بعد أن حقق السهم قفزة قوية بلغت 7.9% يوم الجمعة الماضي. ويُعد الأسبوع المنصرم هو الأسوأ لمجموعة “Magnificent 7” منذ أبريل الماضي، حينما أدت المخاوف من الرسوم الجمركية الأمريكية إلى دفع الأسهم للهبوط الجماعي بنسبة 4.66%، مما يضع الضغوط الحالية في سياق تاريخي يعكس حساسية القطاع الشديدة للرياح الاقتصادية المعاكسة.
سباق التسلح في الذكاء الاصطناعي: أرقام فلكية وتداعيات جيوسياسية
السبب الجوهري وراء القلق المتزايد في الأسواق هو تقارير الأرباح الأخيرة التي كشفت عما يصفه الاقتصاديون بـ “طموحات باهظة الثمن”. فقد أعلنت شركات أمازون، وألفابت، ومايكروسوفت، وميتا، عن إنفاق رأسمالي مشترك بلغ نحو 120 مليار دولار في الربع الرابع وحده، وهو مبلغ ضخم يوجه معظمه لبناء مراكز البيانات وشراء الرقائق المتطورة.
وتشير التوقعات الاقتصادية الصادرة عن مؤسسات كبرى مثل “دويتشه بنك” إلى أن هذا الإنفاق الرأسمالي السنوي قد يقترب من حاجز 700 مليار دولار بحلول عام 2026. ولتوضيح حجم هذا الرقم، فإنه يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي السنوي لدول ذات ثقل اقتصادي مثل الإمارات العربية المتحدة، وسنغافورة.
هذا الحجم من الإنفاق يغير خريطة الاقتصاد الكلي، حيث تضخ هذه الشركات سيولة نقدية في قطاع أشباه الموصلات تعادل ميزانيات دول بأكملها، مما يثير تساؤلات حول مدى استدامة هذه الاستثمارات في حال تأخر العائد المادي المباشر.
ووفقاً لديفيد ليفكويتز، رئيس قسم الأسهم الأمريكية في “UBS Financial Services”، فإن رد فعل الأسواق السلبي تجاه أمازون وألفابت لم يكن بسبب ضعف الأداء التشغيلي، بل بسبب توجيهات الإنفاق الرأسمالي (Capex) التي جاءت “أعلى بكثير” من التقديرات المتفائلة. المستثمرون يخشون من أن يؤدي هذا الإنفاق الجنوني إلى تآكل الهوامش الربحية على المدى المتوسط، خاصة وأن هذا التوسع في التكاليف طغى تماماً على أخبار النمو القوي والمبشر الذي حققته الشركتان في قطاع الحوسبة السحابية، وهو المحرك التقليدي لأرباحهما.
نظرة تفاؤلية: هل نحن أمام استثمار ضروري؟
رغم سحابة القلق، يبرز معسكر من المحللين وقادة الصناعة الذين يرون أن هذا الإنفاق ليس اختيارياً، بل هو ضرورة للبقاء في المنافسة العالمية:
- ثقة الإدارة في استيعاب القدرات: أشار جاستن بوست من “Bank of America Securities” إلى أن الشركات لا تنفق بشكل عشوائي، بل بناءً على رؤية واضحة للطلب المستقبلي. ويرى أن القدرات الهائلة التي يتم بناؤها الآن سيتم استغلالها بالكامل بحلول عام 2026 مع دخول المزيد من التطبيقات التجارية للذكاء الاصطناعي حيز التنفيذ.
- دفاع جينسن هوانغ عن البنية التحتية: أكد الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا في تصريحاته الأخيرة أن ما نشهده هو “تحديث شامل” للبنية التحتية للحوسبة العالمية. ووصف الطلب على قوة الحوسبة بأنه “سكاي هاي” (Sky-high)، معتبراً أن الاستثمار اليوم هو الأساس الذي ستبنى عليه القيمة الاقتصادية للعقد القادم.
- تسارع عوائد “الهايبر سكيلرز”: يسلط محللو “مورجان ستانلي” الضوء على أن النمو الأسي في معالجة البيانات (Tokens processed) يترجم بالفعل إلى تسارع في إيرادات الخدمات السحابية مثل GCP وAWS وAzure. هذا الزخم يضغط على الشركات لزيادة تقديرات الإنفاق الرأسمالي لضمان عدم فقدان حصتها السوقية لصالح المنافسين.
وتظل أسهم التكنولوجيا في مرحلة اختبار حقيقي؛ فبينما يخشى المتشككون من تكرار سيناريوهات تاريخية لتضخم فقاعات الأصول، يرى المتفائلون أننا نعيش إرهاصات ثورة صناعية رابعة تتطلب تضحيات مالية كبرى في بدايتها. الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد بوصلة السوق، حيث يراقب المستثمرون أي إشارات تدل على أن هذه الاستثمارات المليارية بدأت بالفعل في التحول إلى تدفقات نقدية تعيد الاستقرار إلى محافظهم المالية.
اقرأ أيضا…



