أسعار الذهب تكسر حاجز الـ 5000 دولار

واصلت أسعار الذهب والفضة رحلة الصعود القوية مع بداية تداولات الأسبوع، حيث نجح المعدن الأصفر في الاستقرار فوق مستويات تاريخية جديدة. يأتي هذا الارتفاع مدفوعاً بتضافر مجموعة من العوامل الجيوسياسية والنقدية، وعلى رأسها التراجع الملحوظ في مؤشر الدولار وترقب المستثمرين لبيانات اقتصادية أمريكية حاسمة ستشكل ملامح السياسة المالية العالمية للفترة القادمة.
قفزة نوعية في أسعار الذهب والفضة
شهدت المعاملات الفورية ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الذهب بنسبة 0.9% لتصل إلى 5,004.61 دولار للأوقية. هذا الاستقرار فوق حاجز الـ 5000 دولار لا يمثل مجرد انتصار فني، بل يعكس تحولاً في نظرة الصناديق الاستثمارية للمعدن الأصفر كحائط صد وحيد في مواجهة تقلبات الأسواق. وقد واصل الذهب زخمه الإيجابي الذي بدأه يوم الجمعة الماضي بمكاسب بلغت 4%، في حين ارتفعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب بنسبة 1% لتستقر عند 5,026.30 دولار، مما يشير إلى تفاؤل المستثمرين في الأمد المتوسط.
ولم تكن الفضة بمنأى عن هذه المكاسب؛ إذ قفزت الأسعار الفورية بنسبة 3.7% لتصل إلى 80.89 دولار للأوقية. وتكمن أهمية هذا الارتفاع في الفضة لكونها معدناً مزدوج القيمة؛ فهي ملاذ آمن ومكون صناعي حيوي في تقنيات الطاقة المتجددة، مما يجعل صعودها الحالي إشارة واضحة على عودة القوة الشرائية الكبرى للمنافسة على الملاذات الآمنة والسلع الاستراتيجية على حد سواء.
محركات السوق: الدولار والسياسة النقدية
يعزو الخبراء والمحللون هذا الارتفاع بشكل أساسي إلى عاملين حيويين أثرا بشكل مباشر على شهية المخاطرة:
- تراجع الدولار الأمريكي وتأثيره العكسي: وصل الدولار إلى أدنى مستوياته منذ مطلع فبراير، وهو ما يخلق علاقة طردية مع المعادن الثمينة؛ حيث إن انخفاض قيمة العملة الخضراء يقلل من تكلفة حيازة الذهب للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى. هذا التراجع جعل المعدن الأصفر “رخيصاً” نسبياً، مما حفز عمليات شراء واسعة من البنوك المركزية والكيانات المؤسسية الكبرى.
- زلزال الانتخابات اليابانية والتحول النقدي: أدى فوز “ساناي تاكايتشي” برئاسة الوزراء في اليابان إلى حالة من إعادة التقييم لعملات الملاذ الآمن. وقد عزز هذا الفوز من قوة الين الياباني، مما تسبب في ضغوط بيعية مكثفة على الدولار. إن تحرك الين كقوة موازية للدولار منح الذهب فرصة للتحرر من الضغوط الدولارية والتحليق في مناطق سعرية غير مسبوقة.
ويشير “كيلفين وونج”، كبير محللي السوق في OANDA، إلى أن الارتباط اللحظي القوي بين ضعف العملة الأمريكية وانتعاش أسعار الذهب والفضة يعكس رغبة المستثمرين في الهروب من الأصول الورقية التي تعاني من تقلبات سياسية، واللجوء إلى الأصول المادية الملموسة.
ترقب بيانات الوظائف والتضخم: البوصلة القادمة
تتجه أنظار المتداولين هذا الأسبوع نحو التقارير الشهرية للتوظيف وأسعار المستهلك (CPI) في الولايات المتحدة. هذه البيانات لن تكون مجرد أرقام إحصائية، بل هي البوصلة التي ستحدد مسار أسعار الفائدة لعام 2026 وما بعده.
- توقعات الفائدة وشهية الذهب: تشير رهانات الأسواق حالياً إلى احتمالية خفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس مرتين على الأقل هذا العام، بدءاً من يونيو المقبل. ومن المعروف اقتصادياً أن الذهب، بصفته أصلاً لا يدر عائداً ثابتاً (Interest-free asset)، يصبح أكثر جاذبية بشكل كبير عندما تنخفض عوائد السندات والودائع المصرفية.
- تصريحات الفيدرالي والتحوط من الركود: أكدت “ماري دالي”، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، أن الحاجة ماسة لمراقبة سوق العمل بدقة. وتلميحاتها بشأن ضرورة خفض الفائدة لمواجهة الضعف المحتمل في التوظيف تعطي ضوءاً أخضر لمستثمري الذهب؛ فكلما زادت احتمالات “الهبوط الناعم” أو الركود، زاد الإقبال على الذهب.
التحليل الفني والنظرة المستقبلية
على الرغم من هذه القفزة التاريخية، يحذر المحللون الفنيون من أن الاستقرار في هذه المناطق السعرية المرتفعة يتطلب اختراقاً مؤكداً لمستويات مقاومة صلبة. فبالنسبة للفضة، يظل مستوى 92.24 دولار هو الحاجز الأساسي الذي يجب تجاوزه لتأكيد دخول السوق في موجة صعود طويلة الأمد (Uptrend).
أما بالنسبة لـ أسعار الذهب، فإن ظاهرة “صيد الصفقات” (Bargain-hunting) لا تزال هي المحرك الرئيسي؛ حيث يستغل المستثمرون أي تراجع طفيف في الأسعار لبناء مراكز شرائية جديدة. إن هذا السلوك الاستثماري يؤكد القناعة الراسخة بأن الذهب هو “المخزن النهائي للقيمة” في بيئة تتميز بأسعار فائدة منخفضة وتضخم يصعب كبحه بشكل نهائي.
أداء المعادن الأخرى تحت الضغط:
بينما كان الذهب والفضة يتألقان، شهدت المعادن الصناعية البحتة تبايناً في الأداء:
- البلاتين: تراجع بنسبة 0.7% ليصل إلى 2,081.23 دولار، متأثراً بتباطؤ الطلب في قطاع صناعة السيارات العالمي.
- البلاديوم: خسر 0.3% ليغلق عند 1,707.31 دولار، مما يظهر التباين بين المعادن التي تستخدم كاستثمار (الذهب والفضة) وتلك التي تعتمد على النشاط التصنيعي.
فيي النهاية تظل رحلة أسعار الذهب نحو مستويات أعلى مرهونة بمدى “هشاشة” بيانات الوظائف الأمريكية القادمة. فإذا أظهرت البيانات أي تدهور مفاجئ في سوق العمل، فقد نشهد موجة ارتداد قوية تدفع المعدن الأصفر لاختبار مستويات الـ 5200 دولار قبل حلول منتصف العام، مما يرسخ مكانته كملك غير متوج في محفظة المستثمر الذكي.
اقرأ أيضا…



