أخبار الأسواقأخبار الدولار كندي

الدولار الكندي تحت الضغط: كيف وازن “تيف ماكلم” بين مخاطر الركود وضغوط التضخم؟

يشهد الدولار الكندي حالة من التذبذب الملحوظ في الآونة الأخيرة، حيث يتقاطع أداؤه مع متغيرات جيوسياسية واقتصادية معقدة وضعت العملة في موقف دفاعي. وفي أحدث التطورات، تراجعت العملة الكندية مقابل نظيرتها الأمريكية، متأثرة بموجة من العزوف عن المخاطر في الأسواق العالمية، رغم التصريحات الحازمة والمفاجئة لمحافظ بنك كندا (BoC)، تيف ماكلم، والتي أعادت صياغة توقعات المستثمرين.

في هذا التقرير، نستعرض الأسباب الكامنة وراء تحركات الدولار الكندي وتوقعات السياسة النقدية في ظل التحديات الهيكلية العميقة التي تواجه الاقتصاد الكندي في المرحلة الراهنة.

أداء الدولار الكندي مقابل الدولار الأمريكي

تداول الدولار الكندي بانخفاض طفيف بنسبة 0.1% ليصل إلى مستويات 1.3675 مقابل الدولار الأمريكي (ما يعادل 73.13 سنتًا أمريكيًا). وجاء هذا التحرك ضمن نطاق سعري متذبذب تراوح بين 1.3653 و1.3699، بالتزامن مع ملامسة العملة الخضراء لأعلى مستوى لها في أسبوعين. ويعود هذا القوة في الدولار الأمريكي إلى حالة “الفزع” التي سيطرت على “وول ستريت”، مما دفع المستثمرين للجوء إلى الأصول الآمنة والتخلي عن عملات السلع مثل “اللوني”.

بنك كندا: هل انتهى عصر خفض الفائدة؟

أطلق محافظ بنك كندا، تيف ماكلم، رسائل قوية ومباشرة للأسواق، مشيراً إلى أن قدرة البنك على تقديم مزيد من التسهيلات النقدية لدعم النمو الاقتصادي باتت محفوفة بالمخاطر ومحدودة للغاية. إليك تحليل لأبرز النقاط التي تناولها:

  1. التحول الهيكلي المؤلم: أكد ماكلم أن الاقتصاد الكندي يمر بمرحلة انتقالية حرجة. فعملية إعادة الهيكلة لمواجهة السياسات التجارية الأمريكية الجديدة والرسوم الجمركية المحتملة، جنباً إلى جنب مع تباطؤ النمو السكاني ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي، هي عمليات معقدة ستستغرق سنوات. وحذر ماكلم من أن هذه المرحلة قد تكون “مؤلمة” اقتصادياً، حيث تتطلب مرونة لا تتوفر دائماً في المدى القصير.
  2. فخ التضخم والقدرة الإنتاجية: يرى المحافظ أن الاستمرار في خفض أسعار الفائدة إلى ما دون المستويات الحالية قد يكون “انتحاراً نقدياً”. ففي نظره، أي تحفيز إضافي للطلب الكلي سيصطدم بقدرة إنتاجية منخفضة للاقتصاد، مما سيؤدي حتماً إلى اشتعال شرارة التضخم مجدداً بدلاً من تحفيز النمو الحقيقي.
  3. بلوغ النطاق الحيادي: استقر سعر الفائدة القياسي عند 2.25%، وهو ما يمثل الحد الأدنى للنطاق الذي يعتبره البنك “حيادياً” (بين 2.25% و3.25%). والوصول إلى هذه النقطة يعني أن الفائدة لا تحفز الاقتصاد ولا تقيده، وأي خفض إضافي سيخرج السياسة النقدية عن مسارها المتوازن.

العوامل المؤثرة على العملة الكندية

يتأثر الدولار الكندي حالياً بثلاثة محاور رئيسية تتشابك لتحدد اتجاهه العام:

  • أسعار النفط وتراجع الصادرات: تراجعت أسعار الخام بنسبة 2.8% نتيجة انحسار المخاوف المتعلقة بالإمدادات الإيرانية. وبما أن النفط هو الركيزة الأساسية للصادرات الكندية، فإن انخفاض سعره يقلل من التدفقات النقدية الداخلة، مما يضعف الطلب المباشر على الدولار الكندي.
  • سوق العمل كبوصلة مستقبلية: تترقب الأسواق بترقب شديد بيانات التوظيف لشهر يناير. التوقعات بإضافة 5000 وظيفة فقط تعكس حالة من التباطؤ، ولكن إذا جاءت البيانات أقوى من المتوقع، فقد تمنح بنك كندا الذريعة الكافية للتمسك بأسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول.
  • فجوة عوائد السندات: تراجعت عوائد السندات الكندية لأجل 10 سنوات بمقدار 3.7 نقطة أساس لتصل إلى 3.408%، مقتفية أثر سندات الخزانة الأمريكية. هذا التراجع يعكس حذر المستثمرين وتفضيلهم للأمان على العوائد المرتفعة في ظل عدم اليقين الاقتصادي.

التوقعات المستقبلية للدولار الكندي

تشير استطلاعات الرأي الاقتصادية الرصينة إلى أن الدولار الكندي قد يضطر للتنازل عن بعض مكاسبه التي حققها مؤخراً على المدى القريب، خاصة مع استمرار قوة الدولار الأمريكي. ومع ذلك، هناك ملامح لسيناريو “العودة الصعودية” إذا ما تحقق الآتي:

  1. تحول بنك كندا رسمياً نحو تبني سياسة نقدية أكثر تشدداً (رفع الفائدة) لكبح جماح التضخم الناتج عن نقص القدرة الإنتاجية.
  2. انحسار موجة الصعود الحالية للدولار الأمريكي نتيجة بيانات اقتصادية أمريكية مخيبة للآمال، مما يفتح المجال أمام العملات المرتبطة بالسلع للتنفس مجدداً.

في النهاية يبقى الدولار الكندي في الوقت الراهن رهينة لتقلبات شهية المخاطر العالمية وتذبذب أسعار الطاقة. إلا أن انتقال خطاب بنك كندا من “دعم النمو” إلى “الحذر من التضخم الهيكلي” يمنح العملة نوعاً من الحماية النسبية، مما قد يحول دون وقوع انهيارات حادة أمام العملات الرئيسية في الأمد المتوسط.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى