أخبار الأسواقأخبار الذهبسلع

تحليل بيانات تسليم الذهب في بورصة “كوميكس”: ماذا تقول أرقام فبراير 2026 عن توجهات السوق؟

شهدت بورصة “كوميكس” (COMEX) التابعة لمجموعة “CME” صدور تقرير تفصيلي ومعمق حول نوايا تسليم عقود الذهب الآجلة لشهر فبراير 2026. كشف هذا التقرير عن حركة ديناميكية لافتة في مراكز كبار اللاعبين من المصارف المركزية والمؤسسات المالية العالمية، مما يوفر نافذة استشرافية نادرة حول معنويات السوق. في هذا المقال، نغوص في دلالات هذه الأرقام، ونحلل التداعيات الاستراتيجية لهذه التحركات على مستقبل أسعار المعدن النفيس.

تفاصيل بيانات تسليم الذهب (تاريخ 5 فبراير 2026)

وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن “CME Group”، تم تسجيل “نوايا التسليم” (Intentions) رسمياً في 4 فبراير 2026، تمهيداً لبدء عملية التنفيذ الفعلي والتسوية في تاريخ 6 فبراير 2026. بلغت القيمة الإجمالية للتسليمات المعلنة في هذا اليوم وحده 2,692 عقداً، حيث يمثل كل عقد 100 أونصة تروي من الذهب الخالص، مما يعني تحرك ما يقارب 269,200 أونصة في يوم واحد. وبهذا يرتفع إجمالي التسليمات التراكمية منذ بداية شهر فبراير إلى رقم قياسي قدره 32,004 عقداً، وهو ما يعكس تسارعاً ملحوظاً في وتيرة الطلب الفعلي.

تحليل المؤسسات المصدرة (Issued) والمتوقفة (Stopped)

في الأدبيات الفنية لبورصة الذهب، يمثل مصطلح “Issued” الطرف البائع الذي اختار الوفاء بالتزامه التعاقدي عبر تسليم الذهب المادي، بينما يمثل “Stopped” الطرف المشتري الذي قرر الاحتفاظ بالعقد حتى النهاية لاستلام المعدن فعلياً.

  • باركليز (Barclays): قادت المؤسسة البريطانية جانب “الإصدار” بقوة، حيث سجلت 1,304 عقداً صادرة عن حسابات عملائها. هذا الحجم الكبير يشير إلى موجة من جني الأرباح أو إعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية لعملاء البنك، والذين فضلوا تسييل مخزونهم المادي مقابل النقد في ظل مستويات الأسعار الراهنة.
  • دويتشه بنك (Deutsche Bank): في خطوة استراتيجية لافتة، قام البنك الألماني بإصدار 641 عقداً مباشرة من حساب البنك الخاص (House). هذا النوع من التحركات غالباً ما يعكس رؤية داخلية للمؤسسة حول اكتفاء ذاتي من السيولة أو توقعات بتصحيح سعري قريب، مما يدفعها للتخلي عن جزء من مخزونها المادي.
  • سيتي جروب (Citigroup): حافظت “سيتي جروب” على موقعها كأكبر مستحوذ ومشتري في هذا التقرير، حيث قامت بـ “إيقاف” (Stopped) نحو 1,000 عقد لحسابها الخاص. هذا الإصرار على الشراء المؤسسي المباشر يعكس استراتيجية طويلة الأمد لتعزيز الاحتياطيات المادية، مما يضفي ثقة كبيرة على مستويات الدعم الحالية للسعر.
  • جي بي مورغان (JP Morgan): استمر البنك الأمريكي في لعب دور المحرك الرئيسي للسوق، حيث استقبلت حسابات عملائه 740 عقداً، مما يؤكد أن قاعدة عملاء البنك من صناديق التحوط والمستثمرين ذوي الملاءة المالية العالية لا تزال تري في الذهب ملاذاً آمناً لا يمكن الاستغناء عنه.

تحليل البيانات: دلالات استراتيجية ومعمقة للمستثمرين

تُعد تقارير “Issues and Stops” بمثابة “الصندوق الأسود” الذي يكشف ميزان القوى الحقيقي بين العرض والطلب المادي بعيداً عن ضجيج التداولات الورقية.

1. دلالات سيطرة “حسابات المنازل” (House) على جانب الشراء

من أبرز الملاحظات في تقرير فبراير هو أن كبار اللاعبين مثل Citigroup و BMO Capital Markets (التي أوقفت 689 عقداً) قد اختاروا الشراء لحسابات البنك الخاصة. عندما تضخ البنوك سيولتها الخاصة لامتلاك الذهب المادي، فإن ذلك يرسل إشارة قوية للسوق بأن هذه المؤسسات ترى في الذهب أصلاً استراتيجياً وليس مجرد أداة للمضاربة العابرة. هذا السلوك يعكس عادةً توقعات بحدوث تقلبات اقتصادية كلية، أو الرغبة في التحوط ضد ضعف العملات الورقية، أو الاستعداد لمواجهة توترات جيوسياسية قد تلوح في الأفق خلال الربع الأول من عام 2026.

2. أهمية حجم التسليمات التراكمي (Month to Date)

إن وصول إجمالي التسليمات إلى 32,004 عقداً في الأيام الأولى من الشهر فقط هو مؤشر استثنائي بكل المقاييس. تاريخياً، يشير هذا الزخم إلى تحول جوهري في عقلية المستثمر؛ حيث تزايدت الرغبة في “الحيازة المادية” بدلاً من “المراكز الورقية”. هذا التدفق نحو الذهب المادي يقلل من المعروض المتاح في المخازن المسجلة لدى البورصة، مما قد يؤدي في النهاية إلى حالة من “شح العرض” التي تضغط على الأسعار للارتفاع بشكل مفاجئ وقوي.

يعد إن التدقيق في “نوايا التسليم” هو ما يميز المحترف عن الهاوي في سوق السلع. فظهور أسماء كبرى مثل Goldman Sachs و Morgan Stanley في قائمة المشترين، حتى لو بكميات متوسطة مثل 11 أو 45 عقداً، يمثل “تأكيداً مؤسسياً” على مستويات سعرية معينة. هؤلاء اللاعبون لا يتحركون عبثاً، وتحركاتهم غالباً ما تسبق الاتجاهات الكبرى في السوق.

تؤكد بيانات 5 فبراير 2026 وجود حالة من “صراع الجبابرة” داخل أروقة كوميكس. فبينما يميل Barclays و Deutsche Bank نحو التسييل وتوفير السيولة، نجد في المقابل جبهة شرائية صلبة تقودها Citigroup و Scotia Capital (التي أصدرت 400 ولكنها تراقب السوق عن كثب). هذا الانقسام في الرؤية يعزز من حالة التذبذب الصحي في السوق، ويخلق فرصاً استثمارية للمتداولين الذين يجيدون قراءة ما وراء الأرقام. يبقى الذهب هو البوصلة الحقيقية في ظل عدم اليقين الاقتصادي، وما أرقام التسليم اليوم إلا تأكيد على أن الصراع على امتلاك “الملاذ الآمن” لا يزال في أوج نشاطه.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى