ارتفاع طلبات إعانة البطالة الأمريكية: هل بدأ سوق العمل في التباطؤ؟

شهدت الساحة الاقتصادية الأمريكية تطورات لافتة هذا الأسبوع، حيث كشفت البيانات الصادرة عن وزارة العمل عن ارتفاع غير متوقع في عدد المتقدمين للحصول على إعانات البطالة. ورغم هذا الارتفاع الذي أثار حذر الأسواق، يرى المحللون أن سوق العمل لا يزال يحتفظ بصلابة نسبية تمنعه من الانزلاق إلى حالة الركود، رغم ظهور بوادر “تبريد” تدريجي بدأت تلوح في الأفق تزامناً مع ظروف اقتصادية وسياسية استثنائية تمر بها البلاد.
بيانات طلبات إعانة البطالة: أرقام تتجاوز التوقعات
سجلت طلبات إعانة البطالة الأمريكية ارتفاعاً ملموساً لتصل إلى 231 ألف طلب للأسبوع المنتهي في 31 يناير، وهي قفزة واضحة مقارنة بـ 209 آلاف طلب المسجلة في الأسبوع السابق. هذا الرقم لم يكتفِ بالصعود فحسب، بل تجاوز بشكل ملحوظ توقعات خبراء الاقتصاد الذين استطلعت آراءهم صحيفة “وول ستريت جورنال”، حيث استقرت تقديراتهم المتحفظة عند 212 ألف طلب جديد.
أما على صعيد الطلبات المستمرة—والتي تُعد مؤشراً حيوياً يعكس الحجم الإجمالي للسكان العاطلين عن العمل لفترات ممتدة وصعوبة العثور على وظائف جديدة—فقد ارتفعت هي الأخرى إلى 1.84 مليون في الأسبوع المنتهي في 24 يناير، مقارنة بـ 1.82 مليون في الأسبوع الذي سبقه. ويشير هذا التراكم في الطلبات المستمرة إلى أن وتيرة التوظيف الحالية قد لا تكون بالسرعة الكافية لاستيعاب الداخلين الجدد إلى صفوف البطالة، مما يعزز فرضية التباطؤ التدريجي.
تقرير ADP وتأثير الإغلاق الحكومي
في ظل الإغلاق الجزئي للحكومة الأمريكية، واجهت الدوائر الإحصائية تحديات لوجستية أدت إلى تأجيل نشر التقرير الرسمي للوظائف غير الزراعية (Nonfarm Payrolls) لشهر يناير، والذي كان يترقبه المستثمرون بشغف يوم الجمعة، ليتم ترحيل موعده إلى يوم الأربعاء الموافق 11 فبراير.
ونظراً لهذا الفراغ المعلوماتي، اتجهت أنظار المستثمرين والمحللين نحو تقرير شركة ADP لمعالجة الرواتب في القطاع الخاص كبديل استرشادى. وأظهر التقرير نتائج تدعو للحذر الشديد؛ حيث تباطأ صافي التوظيف في القطاع الخاص إلى 22 ألف وظيفة فقط خلال شهر يناير، وهي وتيرة باهتة جداً إذا ما قورنت بـ 37 ألف وظيفة تم تسجيلها في ديسمبر. هذا التراجع الحاد في أرقام التوظيف الخاص يلقي بظلال من الشك حول قدرة الشركات على الاستمرار في التوسع في ظل حالة عدم اليقين السائدة.
التحليل الاقتصادي: هل هناك حاجة للقلق؟
رغم القفزة الرقمية في الطلبات، لا يزال الخبراء يشيرون إلى غياب “الأعلام الحمراء” أو الإشارات التحذيرية التي قد تنذر بانهيار هيكلي وشيك في سوق العمل. فالارتفاع الحالي يمكن تفسيره عبر عدسة تحليلية تأخذ في الاعتبار ثلاثة عوامل رئيسية:
- الضغوط الموسمية والتقلبات الدورية: غالباً ما يشهد شهر يناير تقلبات إحصائية حادة ناتجة عن تسريح العمالة المؤقتة التي تم توظيفها لموسم الأعياد والتسوق. هذه التعديلات الموسمية قد تضخم الأرقام بشكل مؤقت لا يعكس بالضرورة الحالة الحقيقية للشركات الكبرى.
- تأثير الفائدة المرتفعة والتشديد النقدي: بدأت سياسات التشديد النقدي العنيفة التي انتهجها الاحتياطي الفيدرالي في التغلغل داخل مفاصل الاقتصاد. ارتفاع تكلفة الاقتراض يدفع الشركات إلى إعادة تقييم خطط التوظيف وخفض الإنفاق الرأسمالي، وهو الهدف المنشود لتهدئة حرارة التوظيف وتقليص الضغوط التضخمية الناتجة عن نمو الأجور.
- تداعيات الإغلاق الحكومي الإدارية: أدت الاضطرابات الناتجة عن الإغلاق الجزئي إلى خلق “ضوضاء” في البيانات. فالنقص في الكوادر الإحصائية قد يؤثر على دقة التقارير الميدانية، مما يجعل الأرقام الحالية عرضة للمراجعة والتدقيق في الأسابيع القادمة.
يشير تقاطع ارتفاع طلبات إعانة البطالة مع تباطؤ أرقام ADP إلى أن سوق العمل الأمريكي يمر بمرحلة انتقالية حرجة. وبينما يظل السوق قوياً بالمعايير التاريخية، إلا أن الوتيرة المتسارعة للنمو التي شهدناها العام الماضي بدأت تتلاشى تدريجياً. سيبقى التقرير الرسمي المؤجل حتى 11 فبراير هو الفيصل والبوصلة التي ستحدد المسار القادم لقرارات الاحتياطي الفيدرالي؛ فإذا استمر التباطؤ، قد يضطر البنك المركزي لمراجعة سياسته المتشددة وبحث إمكانية خفض الفائدة في وقت أقرب مما كان متوقعاً.
اقرأ أيضا…



