أخبار الأسواقأخبار اليورو دولاراخبار اقتصادية

المركزي الأوروبي يثبت أسعار الفائدة رغم تراجع التضخم

أعلن المركزي الأوروبي يوم الخميس عن إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، مفضلاً التريث ومراقبة المشهد عن كثب. ورغم البيانات الصادرة مؤخراً والتي كشفت عن تباطؤ حاد وغير متوقع في مستويات التضخم بمنطقة اليورو، إلا أن صانعي السياسة النقدية اختاروا عدم الاندفاع نحو التيسير. هذا القرار لا يعكس مجرد تمسك بالأرقام، بل يجسد استراتيجية “الحذر الاستباقي” الشاملة التي ينتهجها البنك لمواجهة تعقيدات مشهد عالمي يتسم بتقلبات جيوسياسية واقتصادية حادة.

البقاء في المنطقة الآمنة

قرر المركزي الأوروبي الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي على الودائع المصرفية عند مستوى 2%، وهو المستوى الذي استقر عنده منذ شهر يونيو الماضي كأداة لموازنة النمو. وفي ذات السياق، حافظت أسعار الفائدة لعمليات إعادة الإعمار الأسبوعية واليومية على مستوياتها عند 2.15% و2.40% على التوالي، مما يضمن استمرارية كلفة التمويل الحالية للقطاع المصرفي.

وأكد البنك في بيانه الصحفي الرسمي أن “التقييم المحدث يعيد التأكيد على ضرورة استقرار التضخم عند المستهدف البالغ 2% على المدى المتوسط”. هذا التشديد اللفظي يشير بوضوح إلى أن المركزي الأوروبي لا يزال يضع “استقرار الأسعار” كأولوية قصوى لا تقبل المساومة، مفضلاً التأكد من أن التضخم قد تم ترويضه فعلياً قبل البدء في أي دورة خفض جديدة قد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا ما ارتفعت الأسعار مجدداً.

لماذا لم ينخفض التضخم فوراً؟

رغم أن الأرقام الرسمية أظهرت انكماش نمو الأسعار في دول منطقة اليورو الـ 21 ليصل إلى 1.7% الشهر الماضي -وهو أدنى مستوى مسجل منذ سبتمبر 2024- إلا أن المركزي الأوروبي فاجأ البعض بتجاهل هذا التراجع “على الورق”.

وتشير التوقعات الاقتصادية إلى أن التضخم قد يظل تحت مستوى المستهدف (2%) لفترة قد تمتد لعام كامل أو أكثر. ومع ذلك، يكمن التفسير العميق لموقف البنك في مخاوفه من “التقلبات الكامنة”؛ حيث يرى المحللون أن هذا التراجع قد يكون مؤقتاً أو ناتجاً عن عوامل موسمية، بينما تظل الضغوط الهيكلية في أسعار الطاقة والسلع الأساسية قابلة للانفجار في أي لحظة نتيجة التوترات الدولية، مما قد يعيد التضخم للمسار الصعودي بشكل أسرع مما يتوقعه الجميع.

اقتصاد اليورو: صمود في وجه التحديات العالمية

في محاولة لطمأنة الأسواق، وصف البنك الاقتصاد الأوروبي بأنه “مرن وقادر على الصمود في بيئة عالمية مليئة بالتحديات”، مستنداً في رؤيته المتفائلة هذه إلى عدة ركائز اقتصادية صلبة:

  • انخفاض قياسي في معدلات البطالة: وهو ما يمثل صمام أمان للقوة الشرائية للأسر الأوروبية، ويضمن استمرار تدفق الاستهلاك المحلي حتى في فترات الركود النسبي.
  • متانة ميزانيات الشركات: حيث أظهرت الشركات والشركات المتوسطة قدرة عالية على إدارة ديونها وتحقيق هوامش ربح في ظروف صعبة.
  • الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية: التوسع التدريجي والمدروس في الإنفاق العام الموجه نحو قطاعات الدفاع والأمن السيبراني، بالإضافة إلى مشاريع البنية التحتية للطاقة النظيفة.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات التي تظهر تسارعاً في الاستهلاك والاستثمار خلال الربع الأخير من عام 2025، إلا أن نبرة “التحذير الرمادي” ظلت مهيمنة على خطاب البنك، في إشارة إلى أن هذه المرونة ليست شيكاً على بياض، بل هي مكتسبات تتطلب سياسة نقدية حذرة للحفاظ عليها.

الضغوط التجارة الخارجية وتقلبات الدولار

أعاد المركزي الأوروبي تشديد تحذيراته من الضبابية التي تلف الآفاق المستقبلية، معتبراً أن المخاطر الخارجية باتت تفوق في تأثيرها البيانات الاقتصادية الداخلية. وتبرز ثلاثة ملفات شائكة تضغط على صناع القرار في فرانكفورت:

  1. توترات التجارة العالمية: الغموض الذي يحيط بمستقبل الاتفاقيات الكبرى، مما يهدد سلاسل الإمداد الأوروبية القائمة على التصدير.
  2. تأثير السياسات الأمريكية: تسبب الضغوط السياسية في واشنطن والتقلبات في سعر صرف الدولار في حالة من الارتباك في أسواق الصرف العالمية، مما يضع اليورو في موقف دفاعي ويؤثر على كلفة الواردات.
  3. تذبذب أسواق السلع: التقلبات غير المتوقعة في أسعار النفط والمعادن تجعل من بناء نماذج تنبؤ دقيقة للتضخم أمراً صعباً في الوقت الراهن.

وبينما تتوجه أنظار المستثمرين ومديري الصناديق الآن نحو المؤتمر الصحفي لرئيسة البنك، كريستين لاجارد، بحثاً عن أي إشارات واضحة للخطوة القادمة، يبدو أن المركزي الأوروبي قد اختار التموضع في منطقة آمنة.

إن قرار التثبيت الحالي ليس مجرد رد فعل تقني، بل هو “درع نقدي” وتحصين استباقي ضد الصدمات الخارجية المحتملة. فالبنك يدرك تماماً أن التسرع في الخفض الآن قد يتركه بلا خيارات أمام أي موجة تضخمية عالمية قادمة، مما يجعل “الانتظار” هو الخيار الأكثر حكمة في الوقت الراهن.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى