أخبار الأسواقأخبار الذهبسلع

لماذا تراجعت أسعار الذهب اليوم؟

شهدت الأسواق العالمية موجة من التراجع الحاد وغير المسبوق في أسعار الذهب والمعادن الثمينة خلال تداولات يوم الخميس، حيث سادت حالة من الذعر البيعي (Broad Market Selloff) شملت مختلف فئات الأصول. لم يكن هذا الهبوط مجرد تصحيح عابر، بل جاء نتيجة تضافر عوامل هيكلية وجيوسياسية أدت إلى إعادة تقييم شاملة للمخاطر، مدفوعة بقوة الدولار الأمريكي الذي قفز إلى أعلى مستوياته في أسبوعين، بالتزامن مع انفراجة ملموسة في النزاعات التجارية والجيوسياسية الكبرى.

تراجع أسعار الذهب والفضة: الأرقام والحقائق وتفسير الحركة السعرية

سجلت أسعار الذهب الفورية انخفاضاً بنسبة 0.9% لتستقر عند 4,917.61 دولاراً للأوقية، فاقدةً الزخم الذي دفعها في وقت سابق من الجلسة لملامسة أعلى مستوياتها في أسبوع. والجدير بالذكر أن المعدن الأصفر كان قد هوى بنسبة قاربت 4% في لحظات ذروة التقلب قبل أن يستقر نسبياً. وفي الوقت ذاته، لم تكن العقود الآجلة للذهب الأمريكي بمعزل عن هذا الضغط، حيث تراجعت لتسليم أبريل بنسبة 0.3% لتستقر عند 4,936.30 دولاراً.

أما أسعار الفضة، فقد عاشت “الخميس الأسود” الخاص بها، حيث هبطت بنسبة مدوية بلغت 9.3% لتصل إلى 79.88 دولاراً للأوقية، بعد رحلة هبوط دراماتيكية بلغت 15% في أدنى مستويات الجلسة. هذا التراجع يأتي بعد أداء استثنائي سجلت فيه الفضة مستوى قياسياً الأسبوع الماضي عند 121.64 دولاراً، مما يعكس حدة الانعكاس في شهية المخاطرة لدى المستثمرين والمضاربين على حد سواء.

قوة الدولار الأمريكي والتحول في السياسة النقدية

يرى المحللون أن صعود مؤشر الدولار (DXY) كان “الخنجر” الذي طعن صعود المعدن الأصفر. فمع ترشيح “كيفن وارش” لتولي رئاسة الاحتياطي الفيدرالي، بدأت الأسواق في تسعير سياسة نقدية أكثر انضباطاً وربما أكثر ميلاً لرفع أو تثبيت الفائدة لفترات أطول، مما منح العملة الأمريكية دفعة قوية.

إن العلاقة العكسية بين الدولار والذهب تجلت بوضوح؛ فكلما ارتفعت تكلفة حيازة الدولار، أصبح الذهب المسعر به أكثر كلفة وعبئاً على المستثمرين الدوليين. ويؤكد “تيم ووترر”، كبير محللي التداول في KCM، أن المتداولين أصبحوا “أكثر حذراً” حيال الذهب، خاصة مع تزايد التقلبات العنيفة التي تجعل من الصعب التنبؤ بنقاط الدعم السعرية في المدى القريب.

العوامل الجيوسياسية وانفراجة الأزمات: غياب “علاوة المخاطر”

تاريخياً، يزدهر الذهب في أوقات الحروب وعدم اليقين، ولكن ما حدث يوم الخميس كان تجريداً للذهب من “علاوة المخاطر الجيوسياسية” نتيجة تطورات دبلوماسية متسارعة:

  1. انفراجة في التجارة العالمية: تصريحات الرئيس دونالد ترامب التي وصف فيها محادثاته مع الرئيس الصيني “شي جين بينغ” بأنها “إيجابية للغاية” أعطت الأمل في تجنب حرب تجارية شاملة، مما دفع المستثمرين للتخلي عن الملاذات الآمنة والعودة للأصول ذات العائد.
  2. المسار الدبلوماسي مع إيران: الإعلان عن عقد محادثات في سلطنة عمان بين طهران وواشنطن ساهم في تبريد حدة التوتر في الشرق الأوسط، مما سحب البساط من تحت أقدام السلع التحوطية.

هذه الانفراجات أحدثت تأثيراً متسلسلاً، حيث تراجعت السلع من النفط الخام إلى النحاس، مما يعكس تحولاً جماعياً في المشاعر (Sentiment) من التحوط إلى التسييل.

أزمة القطاع الصناعي وانهيار المعادن التكنولوجية

لم تقتصر الخسائر على الذهب والفضة، بل امتدت لتضرب قطاع المعادن الثمينة المرتبطة بالصناعة بشكل أعنف:

  • البلاتين: تراجع بنسبة 8.7% ليصل إلى 2,125.80 دولاراً، مبتعداً عن قمته التاريخية.
  • البلاديوم: فقد نحو 2.8% من قيمته ليغلق عند 1,725.53 دولاراً.

أما في سوق الفضة، فقد كشف “كونال شاه”، رئيس الأبحاث في Nirmal Bang Commodities، عن حقيقة مرة؛ وهي أن الطلب الصناعي بدأ في التلاشي عند المستويات السعرية المرتفعة. فعلى سبيل المثال، بدأ منتجو الألواح الشمسية في الصين بالبحث جدياً عن بدائل تقنية أرخص للفضة، مما أدى إلى انكماش في الطلب الحقيقي وتسبب في ضغوط بيعية هائلة على المراكز المالية المثقلة بالديون (Leveraged Positions).

تداعيات “حلقة التغذية المرتدة” والسيولة

ما نشهده حالياً هو “حلقة تغذية مرتدة سلبية” (Self-reinforcing feedback loop)؛ حيث تؤدي الخسائر في قطاع (مثل أسهم التكنولوجيا في آسيا) إلى دفع المستثمرين لبيع أصول أخرى (كالذهب والفضة) لتغطية هوامش الربح أو تعويض الخسائر، وذلك في بيئة تتسم بضعف السيولة السوقية. هذا الدوران لرؤوس الأموال بعيداً عن أصول الملاذ الآمن والنمو التقني يعكس حالة من إعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية العالمية.

تظل أسعار الذهب تحت رحمة “المطرقة والسندان”؛ مطرقة قوة الدولار وسندان الهدوء الجيوسياسي. بالنسبة للمستثمر طويل الأمد، قد تكون هذه التراجعات فرصة لبناء مراكز سعرية جديدة، ولكن يجب الحذر من التقلبات التي قد تستمر طالما بقيت ضبابية توجهات الفيدرالي الأمريكي قائمة. نوصي بمراقبة مستويات الدعم الفنية القادمة وعدم الانجراف وراء المضاربات الحادة في ظل هذه الظروف غير المستقرة.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى