الأسهم الأمريكية تحت الضغط وتراجع “ناسداك” مع اشتداد نزيف قطاع البرمجيات والرقائق

شهدت الأسهم الأمريكية حالة من التباين الحاد والضغط البيعي المكثف خلال الجلسات الأخيرة، حيث قاد قطاع التكنولوجيا موجة تراجع راديكالية أثرت بشكل مباشر على مؤشر “ناسداك” (Nasdaq) ومؤشر “إس آند بي 500” (S&P 500). وفي ظل هذا المشهد المعقد، برزت تساؤلات جوهرية حول استدامة “طفرة الذكاء الاصطناعي” ومدى قدرة الشركات الكبرى على تبرير تقييماتها المرتفعة أمام المستثمرين المتشككين.
أداء المؤشرات الرئيسية: انقسام حاد بين النمو والقيمة
أنهت المؤشرات الرئيسية تداولات الأربعاء على تراجع ملحوظ لأسهم النمو، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطر لدى المستثمرين الذين سارعوا للبحث عن ملاذات آمنة في أسهم القيمة والقطاعات التقليدية الأكثر استقراراً:
- مؤشر S&P 500: سجل خسائر متتالية بفعل ضغوط قطاع التكنولوجيا، منخفضاً بنسبة 0.51% ليغلق عند 6,882.72 نقطة، مما يشير إلى حالة من الحذر الجماعي في السوق الواسع.
- مؤشر ناسداك المجمع (Nasdaq): كان الخاسر الأكبر والضحية الأولى لعمليات البيع المكثف، متراجعاً بنسبة 1.51% ليصل إلى 22,904.58 نقطة، متأثراً بالهبوط الجماعي لأسهم أشباه الموصلات والبرمجيات السحابية.
- مؤشر داو جونز (Dow Jones): خالف الاتجاه العام بشكل لافت، محققاً ارتفاعاً بـ 260.31 نقطة (0.53%) ليغلق عند 49,501.30 نقطة. وجاء هذا الدعم بشكل أساسي من سهم “أمجن” (Amgen) الذي قفز بنسبة 8% بعد نتائج مالية فاقت التوقعات، وسهم “هانيويل” (Honeywell) الذي جذب السيولة الخارجة من قطاع التقنية.
قطاع أشباه الموصلات: صدمة التوقعات واختبار الثقة
كانت شركة AMD المحرك الرئيسي للتراجع في قطاع الرقائق، حيث هوى سهمها بنسبة 17% في جلسة واحدة. هذا الهبوط لم يكن مجرد رد فعل على الأرقام الحالية، بل كان نتيجة تقديم توقعات للربع الأول لم ترقَ لمستوى الطموحات العالية للمحللين، مما أثار مخاوف من “تشبع مؤقت” في طلبات الشركات.
وبالرغم من هذا النزيف، حاولت الرئيسة التنفيذية “ليزا سو” امتصاص حالة الذعر عبر تصريحات لـ CNBC، مؤكدة أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لا تزال في مراحلها الأولى وأن الطلب يتسارع بوتيرة تفوق الخيال. ومع ذلك، انتقلت العدوى سريعاً للمنافسين؛ حيث تراجع سهم Broadcom بنسبة 3.8% وMicron Technology بنسبة 9.5%، مما يعكس رغبة المستثمرين في جني الأرباح وتقليص المراكز في الأسهم الأمريكية ذات التقييمات المرتفعة.
صناديق التحوط تحقق مكاسب خيالية من بيع أسهم التقنية
في واحدة من أكثر التحركات جرأة في “وول ستريت”، حققت صناديق التحوط أرباحاً استثنائية بلغت 24 مليار دولار عبر المراهنة ضد شركات التقنية منذ مطلع عام 2026. وتكشف البيانات أن الصناعة فقدت ما يعادل تريليون دولار من قيمتها السوقية الإجمالية نتيجة هذه الضغوط.
تحليل أسباب تراجع قطاع البرمجيات وتداعياته:
- التهديد الهيكلي للذكاء الاصطناعي: يسود اعتقاد متزايد بين كبار المستثمرين أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي ستقوم بأتمتة المهام التي كانت تتطلب سابقاً برمجيات مكلفة، مما يهدد نماذج الأعمال التقليدية لشركات كانت تعتبر “آمنة”.
- استهداف “السكاكين الساقطة”: تركز صناديق التحوط على الشركات التي تقدم خدمات أتمتة بسيطة يمكن تكرارها بسهولة، مثل Asana وTeraWulf، حيث بلغت نسبة المراهنات البيعية على أسهمها مستويات قياسية (35% و25% على التوالي).
- انهيار عمالقة السحاب: لم تكن الحصانة متوفرة حتى للكبار؛ فقد سجلت Microsoft وOracle وSalesforce وAdobe تراجعات حادة تجاوزت 20% في بعض الحالات منذ بداية العام، مما يشير إلى إعادة تقييم شاملة لكامل القطاع التقني.
تدوير المحافظ: رحلة البحث عن الأمان والواقعية
يؤكد سكوت ويلش، كبير مسؤولي الاستثمار في “Certuity”، أن السوق يمر بعملية “تصحيح مسار” ضرورية. فبعد فترة طويلة من الانحياز لأسهم النمو الضخمة، بدأ المستثمرون في الهروب نحو الأسهم الدورية (Cyclical Stocks) وشركات القيمة مثل Walmart.
هذا التدوير المالي يعكس مخاوف من تضخم الفقاعة في قطاع التقنية، وتوجه السيولة نحو الشركات التي تمتلك تدفقات نقدية قوية وقدرة على الصمود في وجه التقلبات الاقتصادية. إن معاقبة أسهم النمو الصغير والأسواق غير الأمريكية بدأت تخف وطأتها الآن مع عودة التوازن التدريجي للمحافظ الاستثمارية.
البيانات الاقتصادية: الغموض يكتنف سوق العمل
زادت بيانات الوظائف في القطاع الخاص (ADP) من تعقيد المشهد، حيث أظهرت إضافة 22 ألف وظيفة فقط، وهو ما يقل عن نصف التوقعات. هذا التباطؤ في التوظيف، تزامناً مع الإغلاق الجزئي للحكومة الذي انتهى مؤخراً، خلق حالة من الضبابية حول قوة الاقتصاد الحقيقية.
تتجه الأنظار الآن بترقب شديد نحو نتائج أعمال Alphabet وAmazon؛ إذ ستمثل هذه التقارير الاختبار الحقيقي لقدرة عمالقة التكنولوجيا على استعادة الثقة، وستكون المحرك الأساسي لاتجاه الأسهم الأمريكية في المنعطف القادم من العام.
في النهاية تمر الأسهم الأمريكية حالياً بمرحلة “غربلة” فنية ومالية. وبينما يواجه قطاع البرمجيات تحديات وجودية بفعل التحول الهيكلي نحو الذكاء الاصطناعي، تبرز أسهم القيمة كصمام أمان للمحافظ. للمستثمر الذكي، تظل المراقبة الدقيقة لمستويات السيولة ونتائج أرباح “العظماء السبعة” هي المفتاح لفهم ما إذا كان هذا التراجع مجرد استراحة محارب أم بداية لتصحيح أعمق في هيكل السوق.
اقرأ أيضا…



