أخبار الأسواقأخبار الدولار الأمريكيفوركس

مستقبل الدولار الأمريكي في 2026: هل تنهي “أزمة الاستقلالية” ورهانات الفائدة رحلة الصعود؟

يشهد سوق الصرف العالمي حالة من الترقب الشديد مع بروز تساؤلات جوهرية حول قدرة الدولار الأمريكي على الصمود أمام الضغوط المتزايدة. فبينما تحاول العملة الخضراء استعادة توازنها بعد موجة تراجعات حادة، يشير أحدث استطلاع لـ “رويترز” شمل 50 من كبار استراتيجيي العملات إلى أن هذا الانتعاش قد يكون مجرد “وقفة تقنية” قصيرة الأجل، مدفوعة بمخاوف هيكلية عميقة تتعلق بمدى استقلالية الاحتياطي الفيدرالي والمسار الضبابي لأسعار الفائدة في ظل الإدارة الحالية.

انتعاش “هش” للدولار الأمريكي وسط ضغوط سياسية مكثفة

رغم المكاسب الطفيفة التي سجلها الدولار الأمريكي في مطلع فبراير، إلا أن الإجماع بين المحللين الاستراتيجيين يميل نحو استمرار “الرياح المعاكسة”. فمنذ مطلع عام 2025، فقدت العملة نحو 11% من قيمتها الإجمالية مقابل سلة العملات الرئيسية. ويعود هذا التآكل جزئياً إلى التصريحات السياسية المتكررة التي تدعو صراحةً إلى دولار ضعيف لتقليص العجز التجاري وتعزيز تنافسية الصادرات الأمريكية، وهي استراتيجية تثير قلق المستثمرين حول استدامة القوة الشرائية للعملة على المدى الطويل.

ولعب ترشيح “كيفن وارش” لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي دوراً محورياً في دعم العملة بشكل مؤقت؛ حيث فسر كبار الفاعلين في وول ستريت هذا الاختيار على أنه محاولة لتحقيق توازن بين الضغوط السياسية والصرامة النقدية، مما قد يقلل من عدد التخفيضات “المتطرفة” للفائدة. ومع ذلك، تظل الأسواق في حالة تشكك (Skepticism) حيال قدرة المؤسسة النقدية العريقة على العمل بمعزل عن البيت الأبيض، خاصة مع استمرار الضغوط العلنية لخفض تكاليف الاقتراض حتى في ظل تضخم “عنيد” لا يزال يرفض الانصياع تماماً لهدف 2%.

رهانات خفض الفائدة وتأثيرها على جاذبية العملة الخضراء

تتمحور التحليلات الاقتصادية الحالية حول عمق دورة التيسير النقدي التي قد يسلكها الفيدرالي في عام 2026. تداعيات هذه الرهانات تتجاوز مجرد أرقام، بل تمس جوهر جاذبية الأصول الأمريكية:

  1. انقسام التوقعات: يراهن المتداولون على خفضين للفائدة على الأقل خلال هذا العام، ومن المرجح حدوثهما في شهري يونيو وديسمبر. هذا التوجه يسهم في إضعاف “فارق العائد” الذي كان تاريخياً المحرك الأساسي لتدفق السيولة نحو الدولار الأمريكي.
  2. التباين مع أوروبا: في المقابل، يتبنى البنك المركزي الأوروبي نهجاً أكثر حذراً، حيث يُتوقع استقرار الفائدة الأوروبية لفترة أطول. هذا التباعد في السياسات (Policy Divergence) يضع اليورو في مركز قوة نسبي، ويقلل من حوافز الاحتفاظ بالدولار كمخزن للقيمة.

ووضح “أليكس كوهين”، استراتيجي العملات في بنك أوف أمريكا، أن القلق الحقيقي لا يكمن فقط في خفض الفائدة، بل في توقيته ودوافعه. فإذا تم الخفض استجابة لضغوط سياسية بينما لا تزال مخاطر التضخم قائمة، فإن “معدلات الفائدة الحقيقية” ستنحدر، مما يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وانخفاض تدريجي ومستمر في قيمة الدولار على مدار العام.

توقعات اليورو والين الياباني: منافسة شرسة على السيولة

كشف استطلاع رويترز الأخير عن تحولات مهمة في ثقة المستثمرين تجاه العملات البديلة لـ الدولار الأمريكي:

  • اليورو: تشير التقديرات إلى احتمالية كسر حاجز 1.20 دولار خلال الأشهر القليلة القادمة، مدعوماً بتحسن البيانات الاقتصادية في منطقة اليورو وعودة التدفقات الاستثمارية إلى الأسواق الأوروبية التي تبدو الآن “أقل تشبعاً” من نظيرتها الأمريكية.
  • الين الياباني: بعد وصوله لمستويات متدنية تاريخياً، يتوقع الخبراء قفزة قوية للين بنحو 4% ليصل إلى مستوى 151.33 مقابل الدولار. هذا التحول مرهون بقرارات بنك اليابان لمواجهة التضخم الهيكلي، والتوقعات بأن تراجع الدولار سيعطي العملة اليابانية مساحة للتنفس بعيداً عن ضغوط عوائد الخزانة الأمريكية المرتفعة.

التحديات الهيكلية: صراع الثقة والمصداقية المؤسسية

تعد “استقلالية” الاحتياطي الفيدرالي الضمانة الأساسية التي تحمي الدولار الأمريكي من التحول إلى أداة سياسية. إن أي شعور لدى المستثمرين الدوليين بأن السياسة النقدية تتبع أجندة مالية توسعية ممولة بالديون قد يؤدي إلى “أزمة ثقة” (Credibility Crisis). الانعكاسات المباشرة لذلك ظهرت في زيادة الطلب على الأصول البديلة مثل الذهب، الذي سجل مستويات قياسية جديدة نتيجة التحوط من تآكل قيمة العملة الورقية. كما أن هيمنة مراكز “البيع” (Short Positions) في استطلاعات الرأي تعكس قناعة راسخة بأن مسار الدولار الهابط لم ينتهِ بعد.

ختاما بالنسبة للمستثمرين، فإن تقلبات الدولار الأمريكي في 2026 تفرض واقعاً جديداً يتطلب الحذر:

  • التضخم المستورد: تراجع الدولار قد يساهم في خفض كلفة الواردات المقومة بالعملات الأخرى (مثل السلع الأوروبية واليابانية)، مما قد يخفف وطأة التضخم محلياً.
  • إدارة المحافظ: من الضروري تنويع المحافظ الاستثمارية لتقليل الانكشاف المفرط على الأصول الدولارية، مع مراقبة وثيقة لاجتماعات الفيدرالي القادمة وبيانات سوق العمل الأمريكي التي ستكون “البوصلة” الحقيقية لاتجاهات السوق.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى