أخبار الأسواقأخبار اليورو دولاراخبار اقتصادية

هل يضطر المركزي الأوروبي لاستئناف خفض الفائدة مع هبوط التضخم؟

سجلت معدلات تضخم منطقة اليورو تراجعاً مفاجئاً وحاداً في شهر يناير لتستقر دون مستهدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2%، مما يضع صناع السياسة النقدية في فرانكفورت أمام تعقيدات جديدة وتحديات هيكلية قبيل اجتماعهم المرتقب يوم الخميس. هذا الهبوط، الذي جاء مدفوعاً بتضافر عوامل خارجية استثنائية وضغوط تجارية عالمية، يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات جوهرية حول جدوى ومدى استدامة سياسة “التريث التقييدي” التي يتبعها البنك منذ توقفه عن خفض الفائدة في يونيو الماضي.

أرقام التضخم في يناير مفاجأة فاقت توقعات الأسواق

أفادت بيانات وكالة الإحصاء التابعة للاتحاد الأوروبي (يوروستات) يوم الأربعاء، بأن معدل التضخم السنوي في منطقة اليورو انكمش إلى 1.7% في يناير، مسجلاً هبوطاً ملموساً من مستوى 2.0% المحقق في ديسمبر. ولا يمثل هذا الرقم أدنى مستوى للتضخم منذ سبتمبر 2024 فحسب، بل إنه جاء مخالفاً لتوقعات المحللين والاقتصاديين الذين استطلعت آراءهم صحيفة “وول ستريت جورنال”، حيث كانت تشير التقديرات إلى قراءة عند 1.8%.

هذا الانحراف عن المسار المتوقع يضع ضغوطاً تقنية مباشرة على نماذج التنبؤ الخاصة بالبنك المركزي الأوروبي. ففي ديسمبر الماضي، رسم خبراء البنك سيناريو يتوقع بلوغ متوسط التضخم 1.9% في الربع الأول من عام 2026، نزولاً من 2.1% في الربع الأخير من عام 2025. إلا أن وتيرة التباطؤ الحالية تشير إلى أن التضخم قد يستقر عند مستويات أدنى بكثير مما خطط له صناع السياسة، مما قد يجعل من سعر الفائدة الحالي (2%) عبئاً زائداً على كاهل النمو الاقتصادي إذا لم يتم تعديله.

اليورو القوي وتحدي “الانكماش المستورد”

لا يمكن فهم هذا التراجع بمعزل عن المشهد الجيوسياسي والمالي العالمي المتقلب. هناك عاملان محوريان يعززان من احتمالات بقاء التضخم في مستويات متدنية لفترة أطول:

  1. قوة اليورو وأثرها الانكماشي: قفز اليورو إلى أعلى مستوياته في أكثر من أربع سنوات مقابل الدولار الأمريكي، مستفيداً من حالة عدم اليقين التي تكتنف السياسة النقدية الأمريكية والجدل الدائر حول استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. إن ارتفاع قيمة اليورو لا يعد مجرد رقم في شاشات التداول، بل هو أداة فعالة لخفض “التضخم المستورد”؛ فهو يقلل تكلفة المواد الخام والطاقة المسعرة بالدولار، ويجعل السلع الأجنبية أرخص للمستهلك الأوروبي، مما يحد من قدرة الشركات المحلية على رفع الأسعار.
  2. المنافسة الصينية وتدفق السلع الرخيصة: يواجه المنتجون الأوروبيون ضغوطاً هائلة جراء زيادة حجم الواردات الصينية بنسبة 5%، تزامناً مع انخفاض أسعارها بنسبة مماثلة بالعملة الأوروبية. هذا “الانكماش المستورد” طال بشكل مباشر السلع الصناعية غير المرتبطة بالطاقة، والتي تراجعت أسعارها بنسبة 2.4% في يناير. إن استمرار هذا التدفق السلعي بأسعار تنافسية يقلص هوامش ربح الشركات الأوروبية ويجبرها على خفض الأسعار للحفاظ على حصصها السوقية، وهو ما يصب في مصلحة هبوط مؤشر أسعار المستهلكين الكلي.

موقف البنك المركزي الأوروبي: الموازنة بين المرونة والركود

على الرغم من إغراء الهبوط السريع للتضخم، يجد البنك المركزي الأوروبي نفسه في منطقة رمادية تتطلب توازناً دقيقاً. فبينما تظهر الأرقام الاسمية للتضخم تراجعاً، تشير مؤشرات أخرى إلى مرونة اقتصادية قد تمنع البنك من التسرع في التيسير:

  • سوق العمل والأجور: لا تزال معدلات البطالة عند مستوياتها الدنيا تاريخياً في المنطقة التي تضم الآن 21 دولة بعد انضمام بلغاريا مؤخراً. هذه القوة في سوق العمل تدعم مفاوضات رفع الأجور، مما قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية كامنة في قطاع الخدمات لا تظهرها الأرقام الإجمالية فوراً.
  • الاستثمار العام والثقة: تظهر بيانات ING تحسناً في تفاؤل الأعمال وزيادة في الاستثمارات العامة المتوقعة لهذا العام، مما يوحي بأن الطلب المحلي لا يزال قادراً على امتصاص الصدمات.
  • توقعات المدى المتوسط: يرى بعض الاقتصاديين، مثل بيرت كولين، أن توقعات التضخم على المدى المتوسط لم تتراجع بشكل حاد بعد، مما يعزز وجهة نظر “الصقور” في البنك المركزي بضرورة الحفاظ على أسعار فائدة “تقييدية” لضمان عدم عودة التضخم للانتعاش في 2028.

هل أصبحت العودة للتيسير حتمية؟

يرى دييغو إسكارو، رئيس قسم الاقتصاد الأوروبي في S&P Global Market Intelligence، أن البنك قد يتمكن من الحفاظ على أسعار الفائدة الحالية في اجتماع الخميس، لكنه سيواجه ضغوطاً سياسية واقتصادية متزايدة لاستئناف دورة خفض الفائدة في الأشهر المقبلة.

ستكون الأنظار شاخصة نحو المؤتمر الصحفي لكريستين لاغارد، حيث سيتعين عليها تفسير كيف سيتعامل البنك مع “مفارقة التضخم”: تضخم عام يقل عن المستهدف، وتضخم خدمات وأجور لا يزال يتسم بالصلابة. إذا استمر تراجع أسعار الطاقة والسلع الصناعية في دفع المؤشر العام نحو الأسفل، فقد يجد البنك نفسه مضطراً للتحرك قبل نهاية النصف الأول من العام الحالي لتجنب مخاطر “الانكماش المفرط” وضمان دعم النمو الاقتصادي الهش.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى