أسعار النفط ترتفع وسط تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران

شهدت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً خلال تعاملات يوم الأربعاء، مدفوعة بتجدد المخاوف من حدوث تصعيد عسكري وشيك في منطقة الشرق الأوسط، وذلك في أعقاب سلسلة من الاحتكاكات البحرية والجوية المقلقة بين الولايات المتحدة وإيران. ورغم هذا الزخم الصعودي، إلا أن هناك عوامل كابحة حالت دون تحقيق مكاسب أكبر؛ حيث أدت عمليات البيع الواسعة في أسواق الأسهم العالمية -التي ترتبط غالباً بعلاقة طردية مع الأصول عالية المخاطر كالخام- إلى وضع سقف لهذه الارتفاعات، مما خلق حالة من التذبذب الحاد في أداء الخامين القياسيين.
أداء العقود الآجلة للنفط اليوم
سجلت العقود الآجلة لمزيج “برنت” العالمي ارتفاعاً بمقدار 46 سنتاً، أو ما يعادل 0.7%، لتستقر عند 67.79 دولاراً للبرميل بحلول منتصف التعاملات. وفي الوقت ذاته، صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) بمقدار 52 سنتاً، أو 0.8%، ليتداول عند مستوى 63.73 دولاراً للبرميل.
تأتي هذه التحركات السعرية في توقيت شديد الحساسية للأسواق المالية، حيث يراقب المستثمرون بحذر شديد حالة “التجاذب” بين المسارين الدبلوماسي والميداني. فبينما تلوح في الأفق آمال بخفض التصعيد عبر القنوات الدبلوماسية المرتقبة، تفرض المخاوف الحقيقية من احتمال تعطل سلاسل الإمداد في مضيق هرمز نفسها كواقع يهدد استقرار السوق؛ فهذا الممر المائي الاستراتيجي يعد شريان الحياة الرئيسي الذي تتدفق عبره أغلب صادرات دول أوبك الكبرى مثل السعودية، وإيران، والإمارات، والكويت، والعراق، متجهة بصفة أساسية إلى المصافي الآسيوية المتعطشة للطاقة.
التوترات في مضيق هرمز: المحرك الرئيسي والمحفز للمخاطر
كان للبعد الجيوسياسي الكلمة العليا في رسم ملامح السوق اليوم، حيث تسارعت وتيرة الأحداث الميدانية التي تعكس حجم الاحتقان في المنطقة:
- إسقاط الطائرة المسيرة وتداعياته: أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية عن إسقاط طائرة إيرانية بدون طيار بعد اقترابها بشكل “استفزازي وعدواني” من حاملة طائرات أمريكية في بحر العرب. هذا الحادث لا يمثل مجرد احتكاك عابر، بل يشير إلى احتمالية انزلاق الطرفين إلى مواجهة مباشرة قد تتوسع لتشمل مرافق إنتاج النفط.
- الاحتكاك البحري والتهديد الملاحي: أفادت تقارير من مصادر أمنية بحرية وشركات استشارات أمنية دولية بقيام مجموعة من الزوارق المسلحة الإيرانية بالاعتراض والمناورة بالقرب من ناقلة نفط ترفع العلم الأمريكي في المنطقة الواقعة شمال سلطنة عمان.
إن تكرار هذه الحوادث يعيد تسليط الضوء على “هشاشة الأمن النفطي” في المنطقة، وهو ما يدفع المتداولين لإضافة “علاوة مخاطر” (Risk Premium) على الأسعار. وبالرغم من الترتيبات الجارية لعقد محادثات في عُمان يوم الجمعة، إلا أن المحللين في (PVM) يؤكدون أن أسعار النفط كانت لتتراجع بشكل حاد لولا حالة “قرع طبول الحرب” وسعي الأطراف لإظهار القوة العسكرية في الممرات المائية.
مخزونات النفط الأمريكية والطلب العالمي
إلى جانب المشهد الجيوسياسي المعقد، وجد الثيران في سوق النفط دعماً قوياً في البيانات الفنية القادمة من الولايات المتحدة. فقد كشف تقرير معهد البترول الأمريكي (API) عن انخفاض حاد ومفاجئ في مخزونات الخام بمقدار يتجاوز 11 مليون برميل خلال الأسبوع المنصرم، وهو رقم فاق توقعات المحللين الذين كانوا يترقبون زيادة طفيفة.
هذا الانكماش القوي في المخزونات لدى أكبر منتج ومستهلك للنفط عالمياً يعزز فرضية تعافي الطلب، بانتظار تأكيد هذه الأرقام من خلال البيانات الرسمية لإدارة معلومات الطاقة (EIA). ومن الناحية الاقتصادية الكلية، يرى الخبراء أن اتفاقية التجارة بين واشنطن ونيودلهي قد تفتح آفاقاً جديدة لنمو الطلب في الهند، بينما تستمر الضغوط على المعروض الروسي بسبب استمرار النزاع في أوكرانيا، مما يعني بقاء كميات ضخمة من النفط الخام الروسي تحت طائلة العقوبات الدولية لفترة قد تطول.
في الختام، لا تزال أسعار النفط رهينة للتجاذب بين القوى المتضادة؛ فمن جهة تضغط المخاوف الاقتصادية الكلية وتراجع أسهم الشركات على الأسعار نحو الهبوط، ومن جهة أخرى تعمل المخاطر الجيوسياسية والبيانات القوية للمخزونات الأمريكية كدعامة تمنع الانهيار بل وتدفع نحو المكاسب. ستكون مخرجات محادثات عمان يوم الجمعة والتقارير الرسمية لمخزونات الطاقة هي البوصلة التي ستحدد ما إذا كان النفط سيكسر مستويات المقاومة الحالية أم سيعود لاختبار مستويات الدعم الدنيا.
اقرأ أيضا…



