أسعار النفط العالمية بين سندان “تكتيكات ترامب” ومطرقة “انكماش الطلب الصيني”

تواجه منظمة الدول المصدرة للنفط وحلفاؤها (أوبك+) في مطلع عام 2026 مشهداً اقتصادياً هو الأكثر تعقيداً منذ سنوات. فرغم سيطرة التحالف على حصة سوقية وازنة، إلا أن هناك متغيرين “خارج السيطرة” يفرضان نفسيهما كمحدد أساسي لاتجاه أسعار النفط العالمية في المرحلة المقبلة: السياسة الخارجية الصدامية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران، والمناورات التجارية للصين، أكبر مستورد للخام في العالم.
أوبك+ والاستقرار الحذر: لماذا جمدت زيادة الإنتاج؟
في اجتماعها الأخير الذي عُقد افتراضياً مطلع فبراير 2026، اتخذت “أوبك+” قراراً منطقياً بتجميد الزيادات المخطط لها في الإنتاج للفترة من يناير إلى مارس 2026. هذا التوجه لا يعكس فقط الحذر، بل يعبر عن وعي عميق بحالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق والضعف الموسمي المعتاد في الربع الأول. فبينما نجحت المنظمة في الحفاظ على خام برنت فوق مستوى 70 دولاراً للبرميل لفترة وجيزة، إلا أن هذا التوازن يظل هشاً للغاية وقابلاً للكسر أمام أي فائض معروض غير مدروس.
تشير البيانات إلى أن ثمانية أعضاء رئيسيين من التحالف، وعلى رأسهم السعودية وروسيا، قد رفعوا حصص الإنتاج بنحو 2.9 مليون برميل يومياً خلال العام المنصرم، وهو ما يعادل تقريباً 3% من الطلب العالمي. ومع ذلك، فإن المخاوف من حدوث تخمة في المعروض (Super Glut) بحلول منتصف 2026، كما حذرت وكالة الطاقة الدولية وشركات مثل “ترافيغورا”، جعلت من ضخ كميات إضافية مغامرة غير محسوبة العواقب. إن استراتيجية “أوبك+” الحالية تقوم على المرونة المطلقة؛ فهي مستعدة لإطالة أمد التجميد أو حتى عكس مسار الزيادات إذا ما أظهرت البيانات تباطؤاً في وتيرة سحب المخزونات العالمية.
العامل الأول: “عامل ترامب” وعلاوة المخاطر الجيوسياسية
لا يزال التوتر بين واشنطن وطهران يمثل “علاوة المخاطر” الأعلى في تسعير الخام، وهي العلاوة التي تقدر حالياً بنحو 7 إلى 8 دولارات فوق القيمة العادلة للبرميل. الرئيس ترامب، الذي يتبنى سياسة الضغوط القصوى، يضع الأسواق في حالة تأهب دائم؛ فالتصريحات المتناقضة بين التهديد بتحريك أساطيل ضخمة نحو الخليج وبين الحديث عن “مفاوضات جادة” تسببت في تذبذبات حادة، حيث شهدنا هبوطاً للأسعار بنسبة 5% في يوم واحد بمجرد ظهور بوادر تهدئة دبلوماسية.
المفارقة هنا تكمن في الحسابات المعقدة التي يديرها البيت الأبيض، حيث يسعى ترامب لتحقيق هدفين متناقضين:
- إضعاف إيران اقتصادياً عبر تصفير صادراتها أو إجبار مشترين مثل الهند على التحول للخام الفنزويلي.
- الحفاظ على أسعار النفط عند مستويات مقبولة (دون 70 دولاراً) لتجنب موجات تضخمية داخل الولايات المتحدة قد تضر بشعبيته في ظل اقتصاد يواجه ضغوطاً تجارية.
هذه “الدبلوماسية النفطية” تجعل من الصعب على المنتجين التنبؤ بحجم التدفقات القادمة من إيران، التي تنتج أكثر من 3.3 مليون برميل يومياً. أي تعطل في هذه الإمدادات، أو في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، قد يدفع الأسعار فوراً نحو مستويات الـ 90 دولاراً، وهو سيناريو يخشاه المستهلكون والمصدرون على حد سواء لما له من أثر تدميري على نمو الاقتصاد العالمي.
العامل الثاني: واردات الصين.. هل ينتهي عصر الشراء المفرط؟
تعتبر الصين المحرك الفعلي للطلب العالمي، لكن السلوك الشرائي لبكين بدأ يتخذ طابعاً “انتهازياً” أكثر منه “تنموياً”. فخلال الربع الأخير من عام 2025، استغلت الصين تراجع الأسعار دون 60 دولاراً لتعزيز مخزوناتها الاستراتيجية بمعدلات قياسية وصلت إلى 1.13 مليون برميل يومياً كفائض عن احتياجات التكرير. واليوم، مع ارتفاع التكاليف فوق حاجز 70 دولاراً، بدأنا نلمس تباطؤاً واضحاً في طلب المصافي المستقلة.
تشير التوقعات التقنية إلى أن الصين قد تكتفي في الأشهر القادمة بسحب الخام من مخزوناتها العائمة والمحلية عوضاً عن الاستيراد المباشر، ما قد يؤدي لخفض الواردات الفعلية بنحو مليون برميل يومياً. هذا التراجع ليس مدفوعاً فقط بالسعر، بل باتجاهات هيكلية في الاقتصاد الصيني:
- التوسع الهائل في قطاع المركبات الكهربائية الذي قلص الطلب على البنزين.
- تباطؤ النمو الصناعي نتيجة الحروب التجارية المستعرة مع إدارة ترامب.
- اكتمال جزء كبير من برامج ملء الاحتياطيات الاستراتيجية التي كانت تمتص فائض المعروض العالمي.
إذا استمر هذا الانكماش في الطلب الصيني، فإن السوق سيفقد “الممتص الرئيسي” للصدمات، مما سيضع ضغوطاً هبوطية قوية على أسعار النفط العالمية، وقد يدفعها للعودة إلى مستويات الستينات أو حتى الخمسينات في حال غياب الصراعات العسكرية.
أين تتجه البوصلة؟
إن نجاح “أوبك+” في الحفاظ على تماسك الأسواق حتى الآن لا يعني نجاة الأسعار من “تصحيح” قادم. السوق حالياً يتغذى على الأخبار الجيوسياسية أكثر من اعتماده على أساسيات العرض والطلب. فبينما يتمتع المصدرون حالياً بعلاوة مخاطر نتيجة “سجال ترامب وإيران”، فإن أي اتفاق دبلوماسي مفاجئ أو “إغراق” صيني للسوق من مخزوناتها سيعني نهاية عصر الأسعار المرتفعة لهذه الدورة.
الخلاصة: ستظل أسواق الطاقة في حالة “ترقب قلق” طوال النصف الأول من عام 2026. القوة لم تعد بيد من ينتج النفط فقط، بل بيد واشنطن التي تدير “صمام المخاطر”، وبكين التي تدير “شهية الاستهلاك”. وعلى المستثمرين مراقبة مستويات الـ 65 دولاراً لبرنت، حيث تمثل نقطة الدعم الفنية والنفسية التي قد تحدد مسار السوق لبقية العام.
اقرأ أيضا…



