البيتكوين تقترب من أطول سلسلة خسائر شهرية منذ 2018

تشهد سوق العملات الرقمية حالة من الترقب والحذر الشديدين، حيث تراجعت عملة البيتكوين بنسبة تقارب 6% خلال شهر يناير الجاري. هذا التراجع ليس مجرد تذبذب سعري عابر، بل إنه يضع العملة المشفرة الأكبر عالمياً على أعتاب تسجيل رابع خسارة شهرية متتالية؛ وهي سلسلة هبوط تاريخية لم يشهدها السوق منذ عام 2018، حينما بدأت فقاعة الطروحات الأولية للعملات (ICOs) في الانفجار، مما يعيد إلى الأذهان مخاوف “الشتاء الرقمي”.
تراجع “البيتكوين” إلى مستويات نوفمبر
شهدت تداولات نهاية الأسبوع ضغوطاً بيعية مكثفة ناتجة عن تصفية مراكز شرائية كبرى، حيث هوى سعر البيتكوين بنسبة بلغت 3.9% ليصل إلى منطقة 81,100 دولار، وهو أدنى مستوى تصله العملة منذ أواخر نوفمبر الماضي. وعلى الرغم من محاولات التماسك والتعافي الطفيف التي سجلتها العملة لاحقاً لتبلغ مستويات تقارب 82,688 دولار في مستهل تداولات نيويورك، إلا أن المزاج العام للمستثمرين لا يزال يميل بوضوح نحو استراتيجية “تجنب المخاطر” (Risk-off)، حيث يفضل المتداولون التخارج من الأصول المتقلبة بانتظار اتضاح الرؤية الاقتصادية الكلية.
التباين الحاد بين الذهب والأصول الرقمية
المثير للاهتمام في التحركات الأخيرة هو التباين الصارخ في أداء فئات الأصول المختلفة، وهو ما يكشف عن تحول في فلسفة الاستثمار الحالية. فبينما كانت البيتكوين والعملات البديلة تفقد ما يزيد عن 200 مليار دولار من قيمتها السوقية الإجمالية في غضون أيام قليلة، كانت الملاذات الآمنة التقليدية مثل الذهب والفضة تحقق قفزات سعرية ومستويات قياسية جديدة.
هذا التحول يعكس حقيقة أن المستثمرين، في أوقات عدم اليقين الجيوسياسي والمالي، يعيدون توجيه سيولتهم نحو الأصول الملموسة ذات السجل التاريخي في حفظ القيمة، مفضلين إياها على “الذهب الرقمي” الذي لا يزال يتأثر بشدة بتقلبات الشهية الاستثمارية للسيولة الرخيصة.
العوامل الماكرو-اقتصادية وتأثيرها المباشر على “البيتكوين”
لا يمكن بأي حال من الأحوال عزل أداء البيتكوين عن المشهد السياسي والمالي المتغير في الولايات المتحدة، فالعملة أصبحت مرتبطة عضوياً بتوقعات التضخم والفائدة. وقد تأثرت شهية المخاطرة بشكل مباشر بالأنباء المتعلقة باحتمالية ترشيح “كيفن وارش” لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من قبل الرئيس دونالد ترامب، وهو ما أحدث هزة في أسواق الأصول عالية المخاطر.
- سياسة التشدد النقدي المرتقبة: يُصنف “وارش” في الأوساط المالية كمرشح “صقوري” (Hawkish) بامتياز، أي أنه يميل تاريخياً نحو رفع أو الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لمكافحة التضخم. هذا الاحتمال أدى إلى تقليص توقعات الأسواق لعمليات خفض الفائدة التي كان يعول عليها مستثمرو العملات الرقمية لضخ سيولة جديدة في السوق.
- انعكاسات سوق السندات والأسهم: أدى هذا التموضع الجديد للمستثمرين إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة، مما جعل الاحتفاظ بالنقد والسندات أكثر جاذبية من الأصول التي لا تدر عائداً ثابتاً مثل العملات الرقمية. ونتيجة لذلك، كانت الأصول الحساسة للنمو والسيولة، وعلى رأسها البيتكوين، هي الأكثر تضرراً من هذا التحول في التوقعات النقدية.
مخاوف قطاع التكنولوجيا وتأثيرها غير المباشر
بالإضافة إلى العوامل النقدية، هناك بُعد تقني يؤثر على المشهد؛ حيث أشار خبراء، ومن بينهم مات هويلز باربي من منصة “كراكن”، إلى تنامي القلق بشأن جدوى الاستثمارات الهائلة التي تضخها شركات التكنولوجيا الكبرى (Big Tech) في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
المشكلة تكمن في أن هذه الاستثمارات لم تترجم بعد إلى أرباح تشغيلية ملموسة تبرر التقييمات المرتفعة لأسهم التكنولوجيا. وبما أن هناك ارتباطاً طردياً قوياً بين أسهم “نازداك” وحركة البيتكوين، فإن أي اهتزاز في الثقة بقطاع التكنولوجيا ينعكس فوراً وبشكل مضاعف على سوق الكريبتو، مما يدفع المستثمرين للوقوف خطوة إلى الوراء لإعادة تقييم مراكزهم المالية وتقليل الانكشاف على المخاطر.
ختاما إن اقتراب البيتكوين من تسجيل أطول سلسلة تراجع شهري منذ سبع سنوات ليس مجرد حدث عابر، بل هو مؤشر على تحول هيكلي في كيفية تدفق السيولة العالمية بين الأصول. فمع ضيق فروق الائتمان (Credit Spreads) وغموض المسار القادم للاحتياطي الفيدرالي، تظل العملة الرقمية تحت ضغط بيعي مستمر. التحدي القادم يكمن في قدرة العملة على إيجاد قاع سعري صلب يدعم مرحلة تجميع جديدة، في ظل بيئة اقتصادية تفضل التحوط التقليدي على المغامرة الرقمية.
اقرأ أيضا…



