أسعار الذهب تتراجع دون مستوى 5000 دولار لكنها تتجه لأفضل أداء شهري منذ 1999

شهدت أسعار الذهب حالة من التذبذب الحاد وغير المسبوق خلال تداولات يوم الجمعة، حيث كسر المعدن الأصفر حاجز الدعم النفسي متراجعاً دون مستوى 5000 دولار للأوقية. ويأتي هذا التحول الدراماتيكي مدفوعاً بحالة من اليقين المشوب بالحذر في الأوساط المالية نتيجة التكهنات المتسارعة حول التغييرات الهيكلية المرتقبة في قيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. هذا التراجع لم يكن مجرد رد فعل سياسي، بل كان أيضاً نتيجة طبيعية لموجة من عمليات جني الأرباح الفنية المكثفة، خاصة بعد أن بلغت الأسعار مستويات “تشبع شرائي” جعلت من التصحيح الهبوطي خطوة ضرورية لاستعادة توازن السوق.
أداء تاريخي رغم التراجع المؤقت
رغم الانخفاض الذي رصده الخبراء في العقود الآجلة لشهر فبراير بنسبة 3% لتستقر عند 5163.90 دولار للأوقية، إلا أن الصورة الكلية تظل إيجابية للغاية للمستثمرين؛ إذ لا تزال أسعار الذهب في طريقها لتسجيل أقوى أداء شهري لها منذ ما يقرب من ربع قرن (عام 1999).
لقد حققت القيمة السوقية للمعدن النفيس قفزة هائلة تجاوزت 20% منذ مطلع يناير الجاري، مدفوعة بتزايد حدة المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية التي عززت من جاذبية الذهب كملجأ آمن للقيمة. هذا المسار الصاعد يضع الذهب على أعتاب تحقيق مكسب شهري للسادس على التوالي، وهي سلسلة نمو لم نشهد مثيلاً لها بقوتها الحالية منذ عام 1982، مما يعكس رغبة المؤسسات المالية الكبرى في التحوط ضد التضخم وتقلبات العملات.
“كفين وارش” والدولار: رياح معاكسة تعيد رسم الخارطة
يحلل الخبراء الاقتصاديون الضغوط الراهنة على أسعار الذهب عبر ربطها بثلاثة محاور استراتيجية أدت إلى هذا التراجع:
- التحول المرتقب في الفيدرالي: أثار تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الإعلان القريب عن خليفة “جيروم باول” عاصفة من التوقعات. وترجح الأسواق كفة “كفين وارش”، الذي يُعرف تاريخياً بتبنيه لسياسات نقدية “تشددية” (Hawkish). إن اختيار شخصية تميل لرفع أسعار الفائدة أو تقليص التيسير النقدي يعني بالضرورة زيادة تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب الذي لا يدر عائداً، وهو ما دفع المستثمرين لإعادة تقييم مراكزهم المالية.
- استعادة الدولار لزخمه: تمكنت العملة الأمريكية من النهوض من عثرتها والتعافي من أدنى مستوياتها التاريخية التي سجلتها مؤخراً. وبما أن الذهب مقوم بالدولار، فإن أي ارتفاع في قيمة “الغرينباك” يجعل المعدن أغلى ثمناً لحائزي العملات الأخرى، مما يقلص الطلب العالمي ويضغط على الأسعار هبوطاً.
- آليات التصحيح الفني والجني السريع: بعد تسجيل مستويات قياسية متتالية، وصل مؤشر القوة النسبية (RSI) للذهب إلى مناطق تنذر بضرورة التصحيح. لذا، استغلت الصناديق الاستثمارية حالة الغموض السياسي لتنفيذ عمليات بيع واسعة بهدف تأمين الأرباح المحققة خلال الشهر، وهو سلوك معتاد في الأسواق المالية عقب الارتفاعات الحادة.
تدفقات عالمية وتحولات هيكلية في الطلب
على الصعيد اللوجستي العالمي، كشفت بيانات الجمارك عن حركة غير عادية في تدفقات المعدن الأصفر؛ حيث قفزت الصادرات من سويسرا —مركز التكرير العالمي— باتجاه المملكة المتحدة لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2019، مما يشير إلى إعادة تموضع السيولة في لندن، أكبر مركز لتداول الذهب خارج البورصة.
وفي الوقت نفسه، تبرز آسيا كلاعب محوري في دعم مستويات الطلب؛ حيث سجل صندوق (Hang Seng Gold ETF) في هونغ كونغ صعوداً قوياً بنسبة 9% فور إطلاقه، مما يعكس تعطش المستثمرين الآسيويين لامتلاك أدوات مالية مدعومة بالذهب الفعلي، حتى في ظل التقلبات السعرية الراهنة.
نظرة معمقة على المعادن النفيسة الأخرى
لم يكن الذهب وحيداً في هذه العاصفة السعرية، بل انسحب التذبذب على سلة المعادن الثمينة بالكامل:
- الفضة: سجلت تراجعاً حاداً بنسبة 6.1% لتستقر عند 109.03 دولار للأوقية، وذلك بعد أن لامست قمة تاريخية عند 121.64 دولار في الجلسة السابقة. ورغم هذا الهبوط، تظل الفضة النجم الساطع لهذا الشهر بنمو بلغت نسبته 53%، وهو ما يمثل أفضل أداء شهري في سجلاتها التاريخية، مدعومة بطلب صناعي واستثماري مزدوج.
- البلاتين والبلاديوم: شهدت هذه المعادن ضغوطاً بيعية مماثلة، حيث فقد البلاتين نحو 7.1% من قيمته والبلاديوم 7.3%. هذا الانخفاض الجماعي يؤكد أن السوق يمر بمرحلة “إعادة ضبط” شاملة لتقييمات الأصول الصلبة أمام التحولات في السياسة النقدية الأمريكية.
بالرغم من التراجع الحالي تحت وطأة التكهنات السياسية في واشنطن وقوة الدولار، تظل الأساسيات التي تدعم أسعار الذهب قوية وقائمة. إن حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي والتوجهات نحو تنويع الاحتياطيات النقدية تجعل من مكاسب شهر يناير التاريخية قاعدة صلبة قد ينطلق منها المعدن الأصفر نحو قمم جديدة خلال العام 2026، بمجرد وضوح الرؤية بشأن قيادة الفيدرالي الجديدة.
اقرأ أيضا…



