أخبار الأسواقأخبار النفطسلع

أسعار النفط تقفز لأعلى مستوياتها: هل تدفع التوترات الجيوسياسية البرميل نحو 72 دولاراً؟

شهدت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً خلال تعاملات يوم الخميس، لتواصل مكاسبها القوية لليوم الثالث على التوالي في ظل بيئة سوقية مشحونة بعدم اليقين. يأتي هذا الصعود مدفوعاً بتصاعد وتيرة المخاوف من احتمالية إقدام الولايات المتحدة على تنفيذ عمل عسكري يستهدف أهدافاً استراتيجية في إيران، وهو سيناريو ينذر باضطرابات واسعة النطاق في سلاسل إمداد الطاقة من منطقة الشرق الأوسط، التي تعد الشريان التاجي للاقتصاد العالمي.

نظرة تحليلية على أداء السوق اليوم

سجلت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعاً بمقدار 94 سنتاً، أو ما يعادل 1.4%، لتصل إلى 69.34 دولاراً للبرميل. وفي الوقت ذاته، صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 92 سنتاً، أو 1.5%، ليستقر عند 64.13 دولاراً للبرميل.

هذا الزخم التصاعدي يعكس حالة من التفاؤل الحذر لدى الثيران (المشترين) في السوق؛ فبهذا الأداء، تكون العقود النفطية قد حققت مكاسب تراكمية بنحو 5% منذ مطلع الأسبوع، لتستقر عند أعلى مستوياتها المسجلة منذ أواخر سبتمبر الماضي، مما يعزز التوقعات باستمرار الاتجاه الصعودي إذا ما استمرت المحفزات الحالية.

التوترات مع إيران: المحرك الرئيسي للمخاطر الجيوسياسية

تتصدر الأنباء المتواترة من واشنطن المشهد الاقتصادي العالمي، حيث صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من نبرة خطابه السياسي تجاه طهران، رابطاً بين ممارسة أقصى درجات الضغط لإنهاء البرنامج النووي الإيراني والتهديد الصريح بضربات عسكرية. وقد تجسد هذا التهديد واقعياً مع وصول مجموعات بحرية قتالية أمريكية إلى المنطقة، مما جعل الأسواق تسعر “علاوة مخاطر” فورية.

وتكمن خطورة هذا التصعيد في الثقل الوازن لإيران داخل سوق الطاقة؛ فهي رابع أكبر منتج في منظمة “أوبك” بإنتاج فعلي يصل إلى 3.2 مليون برميل يومياً. وأشارت تقارير استخباراتية نقلتها وكالات عالمية إلى أن الإدارة الأمريكية تدرس بجدية خيارات لاستهداف مراكز قوة تابعة للحرس الثوري وقيادات إيرانية، وهي خطوات قد تؤدي في حال تنفيذها إلى ردود فعل تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الممر المائي الأهم لتجارة النفط العالمية.

تحليل الخبراء وتأثير “علاوة المخاطر”

يرى سوفرو ساركار، رئيس فريق قطاع الطاقة في بنك “دي بي إس”، أن المحرك الجوهري لأسعار النفط في الوقت الراهن هو “علاوة المخاطر الجيوسياسية” المرتبطة بإيران والشرق الأوسط. ويوضح ساركار أن هذه العلاوة غالباً ما تظهر عندما تتجاوز التهديدات اللفظية لتصبح تحركات عسكرية ملموسة على الأرض، مما يدفع المتداولين لتأمين صفقات شراء تحسباً لأي نقص مفاجئ في المعروض. ورغم وجود عوامل تقنية أخرى، مثل انقطاعات الإنتاج في كازاخستان وتداعيات العواصف الشتوية الأمريكية، إلا أنها تبقى ثانوية مقارنة بالثقل الجيوسياسي لملف طهران.

عوامل إضافية تعزز شح الإمدادات وتدعم الأسعار

بالتوازي مع الملف الإيراني، تضافرت عدة عوامل هيكلية وتقنية لتزيد من الضغط على جانب العرض:

  1. صدمة المخزونات الأمريكية: كشفت بيانات إدارة معلومات الطاقة عن تراجع مفاجئ وغير متوقع في مخزونات الخام الأمريكية بواقع 2.3 مليون برميل، لتهبط إلى 423.8 مليون برميل. هذه البيانات شكلت مفاجأة قوية للسوق، حيث كانت تقديرات المحللين تشير إلى فائض محتمل وزيادة قدرها 1.8 مليون برميل، مما أعطى زخماً إضافياً للأسعار لكونه مؤشراً على قوة الطلب المحلي رغم الظروف الجوية.
  2. تعثر الإنتاج في كازاخستان: لا يزال حقل “تنغيز” العملاق، الذي يعد أحد الركائز الأساسية للإنتاج خارج أوبك، يعاني من آثار حرائق كهربائية عطلت العمليات الأسبوع الماضي. ورغم البدء في استئناف الإنتاج تدريجياً، إلا أن السوق لا تزال تترقب الوصول إلى الطاقة القصوى، مما يبقي المعروض في حالة من الحذر.
  3. تداعيات العاصفة الشتوية “فيرن”: في الولايات المتحدة، أكبر منتج للنفط في العالم، يسابق المنتجون الزمن لإعادة تشغيل الآبار التي توقفت نتيجة البرد القارس الذي ضرب مناطق الإنتاج الرئيسية. هذه الانقطاعات المؤقتة تزامنت مع ذروة الطلب على التدفئة، مما خلق فجوة مؤقتة دعمت مستويات الأسعار الحالية.

التوقعات المستقبلية: هل نشهد طفرة سعرية جديدة؟

ترسم المؤسسات المالية الكبرى سيناريوهات تميل في مجملها إلى استمرار الصعود؛ حيث يقدر محللو بنك “سيتي” (Citi) أن المخاوف من استهداف إيران قد أضافت بالفعل ما بين 3 إلى 4 دولارات كعلاوة مخاطر فوق القيمة العادلة لأسعار النفط.

ويحذر المحللون من أن أي “شرارة” عسكرية فعلية أو تصعيد إضافي في الخطاب الدبلوماسي قد يدفع خام برنت لاختبار مستويات المقاومة النفسية والفنية عند 72 دولاراً للبرميل خلال الربع الأول من العام الجاري. ويبقى استقرار السوق رهناً بمدى قدرة القوى الكبرى على احتواء الأزمة أو توفر بدائل سريعة لسد أي عجز قد يطرأ على إمدادات الشرق الأوسط.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى