أخبار الأسواقأخبار الذهبسلع

أسعار الذهب تلامس 5600 دولار مع استمرار رحلة البحث عن الملاذ الآمن في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية

شهدت الأسواق العالمية يوم الخميس تحولاً دراماتيكياً يعكس حالة من الاضطراب في النظام المالي العالمي، حيث واصلت أسعار الذهب مسيرتها الصعودية التاريخية لتستقر على أعتاب مستوى 5600 دولار للأوقية. يأتي هذا الارتفاع المتسارع مدفوعاً بتدافع جماعي من قبل المستثمرين والمؤسسات نحو الملاذات الآمنة، وسط حالة من عدم اليقين الاقتصادي والسياسي التي بدأت تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد العالمي، مما حول الذهب من مجرد أداة استثمارية إلى درع وقائي ضروري.

أسعار الذهب تحطم الأرقام القياسية لليوم التاسع

سجل الذهب الفوري (Spot Gold) ارتفاعاً لافتاً بنسبة 2.7% ليصل إلى 5,546.29 دولار للأوقية، بعد أن لامس في وقت سابق من التداولات أعلى مستوى له على الإطلاق عند 5,594.82 دولار. وتعتبر هذه الجلسة هي التاسعة على التوالي التي يحقق فيها المعدن الأصفر مستويات قياسية غير مسبوقة، وهو تسلسل زمني نادر يعكس قوة الزخم الشرائي وضعف البدائل الاستثمارية الأخرى.

ولم تقتصر المكاسب على السوق الفوري فحسب، بل امتدت لتشمل العقود الآجلة؛ حيث قفزت العقود الأمريكية للذهب تسليم فبراير بنسبة 4.5% لتستقر عند 5,539.20 دولار، بعد أن بلغت ذروة تاريخية في وقت سابق من اليوم عند 5,626.80 دولار. هذا التباين والارتفاع في العقود الآجلة يشير إلى توقعات الأسواق باستمرار حالة عدم الاستقرار لفترة زمنية أطول.

لماذا ترتفع أسعار الذهب الآن؟ (تحليل معمق للمسببات)

يرى الخبراء والمحللون الاقتصاديون أن هناك ثلاثة محاور جوهرية تتشابك فيما بينها لتدفع أسعار الذهب نحو هذه المستويات الفلكية، وهي عوامل تتجاوز مجرد العرض والطلب لتصل إلى جوهر الثقة في المنظومة النقدية:

1. تآكل الثقة في استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي

أشارت “سوني كوماري”، محللة السلع في بنك ANZ، إلى أن الثقة في النظام المالي الأمريكي بدأت تتآكل نتيجة التجاذبات السياسية الحادة. فالتوترات المحيطة بإدارة ترامب، بما في ذلك التحقيقات المرتبطة برئيس الفيدرالي “جيروم باول” ومحاولات التدخل في التعيينات الإدارية مثل حالة “ليزا كوك”، أدت إلى قناعة لدى المستثمرين بأن القرار النقدي قد يصبح أداة سياسية. إن فقدان الاستقلالية يعني احتمالية اتخاذ قرارات لا تخدم كبح التضخم، مما يجعل الذهب الخيار الوحيد للتحوط ضد أي تدهور محتمل في قيمة الدولار.

2. التصعيد الجيوسياسي وتداعياته على أمن الطاقة

زاد التصعيد الكلامي والميداني بين واشنطن وطهران من حالة الذعر في الأسواق. فبينما يلوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضربات “أكثر قسوة”، ردت طهران بتهديدات تستهدف المصالح الحيوية وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. هذه الحالة من “حافة الهاوية” ترفع من علاوة المخاطر الجيوسياسية المضافة إلى أسعار الذهب، حيث يخشى المستثمرون من اندلاع صراع يؤدي إلى شلل في سلاسل الإمداد العالمية أو طفرة مفاجئة في أسعار النفط، مما يعزز من جاذبية المعدن النفيس كأصل غير مرتبط بالديون أو المخاطر الائتمانية للدول.

3. إعادة هيكلة النظام التجاري وتفاقم الدين العام

أوضح “إدوارد مير”، محلل الأسواق في “ماريكس”، أن تضخم الدين العام الأمريكي إلى مستويات مقلقة، بالتزامن مع بوادر انقسام النظام التجاري العالمي إلى كتل إقليمية متصارعة (Regional Blocs)، قد أدى إلى تراجع هيمنة النموذج الاقتصادي المتمركز حول الدولار. هذا التحول الهيكلي يدفع البنوك المركزية والمستثمرين السياديين إلى تنويع احتياطياتهم بعيداً عن العملات الورقية والتوجه نحو الذهب كأصل استراتيجي محايد لا يخضع لسيطرة سلطة واحدة.

الفضة تلحق بالركب وتتجاوز حاجز الـ 120 دولاراً

لم تكن الفضة بمنأى عن هذا الانفجار السعري، بل قفزت لتتخطى حاجز 120 دولاراً للأوقية لأول مرة. وبحثاً عن بدائل أقل تكلفة مقارنة بالذهب، اندفع صغار المستثمرين والمضاربين نحو “ذهب الفقراء”، مما أدى إلى تحقيق مكاسب مذهلة بنسبة 60% منذ بداية عام 2026. وتتفاقم هذه الارتفاعات بسبب العجز الهيكلي في الإمدادات العالمية للفضة، وزيادة الطلب الصناعي، مما خلق حالة من “حمى الشراء” التي قد تؤدي إلى تقلبات حادة في المستقبل القريب.

نظرة تحليلية على المعادن الثمينة الأخرى

شهدت المعادن المرتبطة بالصناعة والرفاهية أيضاً تحركات إيجابية قوية:

  • البلاتين: ارتفع بنسبة 2.8% ليصل إلى 2,770.49 دولار، مستفيداً من تحسن توقعات الطلب الصناعي والتحوط من التضخم.
  • البالاديوم: سجل نمواً بنسبة 1.6% ليصل إلى 2,107.37 دولار، مدفوعاً بمخاوف نقص الإمدادات من كبار المنتجين العالميين.

توقعات أسعار الذهب والرؤية المستقبلية

مع تمسك الفيدرالي بموقفه الحالي وبقاء التضخم بعيداً عن مستهدفه البالغ 2%، تظل البيئة الاقتصادية الكلية خصبة لمزيد من الارتفاعات. في مراكز التداول الكبرى مثل شنغهاي وهونج كونج، يلاحظ وجود إقبال منقطع النظير من قبل المستهلكين الأفراد الذين يتسابقون لاقتناء الذهب، ليس فقط للزينة بل كوعاء ادخاري رئيسي، مما يوفر دعماً قوياً للأسعار عند أي عمليات تصحيح هبوطية محتملة.

ختاما إن الارتفاع الجنوني الحالي في أسعار الذهب ليس مجرد تقلب عابر، بل هو إنذار مبكر يعكس أزمة عميقة في الثقة بالنظام النقدي العالمي. فبينما تتصاعد الديون وتتفاقم الصراعات السياسية، يثبت الذهب مرة أخرى أنه “العملة الوحيدة التي لا يمكن طباعتها”، مستعيداً بريقه كمرساة للأمان في عالم تملؤه العواصف المالية.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى