أخبار الأسواقأخبار الدولار الأمريكي

انتعاش الإقراض البنكي في الولايات المتحدة قد يمنع الفيدرالي من خفض الفائدة

بينما يترقب العالم نتائج اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي)، تتجه الأنظار نحو مؤشرات اقتصادية قد تبدو ثانوية للبعض، لكنها جوهرية في صياغة قرار السياسة النقدية. بالإضافة إلى التضخم المرتفع وسوق العمل المتماسك، برز مؤخراً “انتعاش الإقراض البنكي” كعامل إضافي يدعم فرضية الإبقاء على أسعار الفائدة الفيدرالي الأمريكي مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعاً، حيث يعكس هذا الانتعاش حيوية اقتصادية قد لا تتطلب تدخلات تيسيرية فورية.

لماذا قد يتريث الفيدرالي في خفض الفائدة؟

تُشير البيانات الأخيرة إلى أن تكاليف الاقتراض المرتفعة لم تنجح تماماً في كبح جماح النشاط الاقتصادي كما كان مخططاً له. فبدلاً من الانكماش الحاد، أظهرت تقارير أرباح المصارف الكبرى وزيادة الطلب على القروض أن الشركات والمستهلكين لا يزالون يمتلكون الملاءة المالية والقدرة على الإنفاق والاستثمار رغم ضغوط الفائدة.

هذا “التيسير الهامشي” في ظروف الائتمان يعمل بمثابة محرك خفي للنمو، مما يجعل من الصعب على صناع السياسة النقدية تبرير خفض الفائدة في الوقت الراهن؛ إذ إن أي خفض قد يؤدي إلى إفراط في النشاط الائتماني، وبالتالي اشتعال موجة تضخمية جديدة يصعب السيطرة عليها.

انتعاش الطلب على القروض: مؤشر القوة الاقتصادية

أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة، ومنها مسح بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، أن الطلب على القروض في بنوك تكساس — والتي تعتبر مرآة للوضع الوطني ومؤشراً استباقياً لأداء القطاع المصرفي — استمر في الارتفاع خلال شهر ديسمبر.

  • أداء البنوك الكبرى: سجل “جيه بي مورغان تشيس” نمواً في متوسط القروض بنسبة 9%، بينما حقق “بنك أوف أمريكا” نمواً بنسبة 8% في الربع الأخير. هذا النمو يعكس ثقة المستهلك في قدرته على السداد رغم ارتفاع الأعباء التمويلية، كما يشير إلى أن قطاع الأعمال لا يزال يرى فرصاً استثمارية مجدية تتجاوز تكلفتها نسبة الفائدة الحالية.
  • ثقة الشركات والخدمات: هناك تفاؤل متزايد بين الرؤساء التنفيذيين للبنوك بشأن زيادة نشاط الأعمال في النصف الأول من العام الجاري. وتتوقع هذه المؤسسات أن يستمر زخم الاقتراض مدفوعاً باستقرار نسبي في الميزانيات العمومية للقطاع الخاص، مما يعزز من مرونة الاقتصاد أمام الصدمات النقدية.

العوامل الدافعة لنمو الائتمان في عام 2024

يرى المحللون الاقتصاديون أن هناك عدة عوامل تساهم في تدفق الائتمان واستمرارية الطلب رغم بقاء الفائدة عند مستويات تاريخية، ومن أبرزها:

  1. التحفيز المالي: استمرار تأثير السياسات المالية الحكومية المحفزة، والتي تضخ سيولة غير مباشرة في الأسواق وتدعم المشروعات الكبرى، مما يخلق حاجة مستمرة للتمويل البنكي التكميلي.
  2. التوجهات السياسية الجديدة: تزايد التوقعات باتباع نهج هجومي في تخفيف القيود التنظيمية (Deregulation) من قبل الإدارة الأمريكية القادمة. هذا المناخ التشريعي المتوقع يمنح البنوك ضوءاً أخضر للتوسع في تقديم الائتمان وتخفيف معايير الإقراض الصارمة التي فُرضت سابقاً، مما يعزز من سيولة السوق بشكل تلقائي.
  3. مرونة الميزانيات العمومية: لا تزال الشركات والمستهلكون يتمتعون بمراكز مالية قوية نسبياً، مدعومة بمدخرات سابقة وسوق عمل يوفر دخلاً مستقراً. هذه المرونة تقلل من مخاوف البنوك بشأن مخاطر التعثر، وتدفعها للاستمرار في منح الائتمان بأسعار فائدة تنافسية ضمن النطاق المرتفع.

هل تراجع الإقراض إلى “المقعد الخلفي”؟

رغم الأهمية المتزايدة لبيانات الإقراض، يظل التركيز الأساسي للفيدرالي منصباً على هدفي “التفويض المزدوج”: استقرار الأسعار و الحد الأقصى للتوظيف. ومع ذلك، فإن قوة الإقراض تعمل كعامل “مُعطّل” لجهود خفض التضخم؛ فكلما زاد الاقتراض، زاد الإنفاق، مما يبقي الضغط صعودياً على الأسعار.

يقول “كريستوفر هودج”، الخبير الاقتصادي في “ناتيكسيس”: “بما أن النمو قوي، ومعدل البطالة في مستويات جيدة، والتضخم لا يزال بعيداً عن المستهدف، فما الداعي لخفض الفائدة؟”. بالنسبة للفيدرالي، قد تظل حيوية الإقراض دليلاً على أن السياسة الحالية ليست “تقييدية” بما يكفي، مما قد يستدعي الحفاظ على مستويات الفائدة الحالية لفترة أطول لضمان الوصول إلى مستهدف 2%.

التوقعات المستقبلية والأسواق

تسعر الأسواق المالية حالياً احتمال إجراء خفضين لأسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في النصف الثاني من العام. ومع ذلك، فإن استمرار انفراج الظروف المالية (Financial Conditions) وزيادة تدفقات الائتمان قد يدفع الفيدرالي إلى إحباط هذه التوقعات وإعادة النظر في الجدول الزمني. إن القوة التي يظهرها قطاع الإقراض تعطي الفيدرالي “مساحة مناورة” كافية للانتظار والتأكد من استقرار التضخم دون الخوف من حدوث ركود وشيك.

وإن انتعاش الإقراض البنكي يرسل إشارة واضحة بأن الاقتصاد الأمريكي لم يبرد بالقدر الكافي الذي يستدعي تدخل الفيدرالي لخفض الفائدة بشكل عاجل. وإذا استمرت البنوك في ضخ السيولة في شرايين الاقتصاد، وتعزز ذلك بسياسات تنظيمية مرنة، فقد نجد أنفسنا أمام “سيناريو الهبوط الناعم” الذي يطمح إليه الفيدرالي، ولكن بتكلفة بقاء الفائدة مرتفعة لضمان عدم خروج التضخم عن السيطرة مرة أخرى.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى