أخبار الأسواقأخبار النفطسلع

أسعار النفط تلامس أعلى مستوياتها في 4 أشهر

شهدت أسعار النفط قفزة نوعية ملحوظة يوم الأربعاء، حيث حومت العقود الآجلة حول مستويات لم تشهدها الأسواق منذ أواخر سبتمبر الماضي. لم يكن هذا الارتفاع وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تضافر معقد لمجموعة من العوامل الجيوسياسية والمناخية والاقتصادية التي ضغطت بقوة على جانبي العرض والطلب؛ حيث أدت العواصف الشتوية القاسية التي اجتاحت الولايات المتحدة إلى شلل مؤقت في مرافق الإنتاج والتصدير، وتزامن ذلك مع تراجع حاد في مؤشر الدولار الأمريكي، مما جعل الذهب الأسود ملاذاً جذاباً للمستثمرين في ظل استمرار انقطاع الإمدادات الحيوية من كازاخستان.

أداء العقود الآجلة: برنت وتكساس تحت المجهر

بالرغم من الزخم الإيجابي والمكاسب القوية التي حققتها أسعار النفط خلال تعاملات يوم الثلاثاء، والتي بلغت نسبتها 3%، شهدت جلسة الأربعاء حالة من التذبذب المائل للتراجع الطفيف، وهو سلوك فني معتاد يعكس رغبة المتداولين في جني الأرباح بعد القفزات السريعة.

  • خام برنت: سجلت العقود الآجلة لخام برنت تراجعاً بنسبة 0.6% لتهبط إلى مستوى 67.18 دولاراً للبرميل، إلا أنها لا تزال تحتفظ بمكاسبها الأسبوعية القوية فوق حواجز الدعم الرئيسية.
  • خام غرب تكساس (WTI): تراجع الخام الأمريكي بنسبة 0.4% ليصل إلى 62.17 دولاراً للبرميل، متأثراً بتوقعات زيادة المخزونات المحلية التي قد تحد من وتيرة الصعود على المدى القصير جداً.

الدولار الضعيف: محرك خفي لارتفاع أسعار النفط

يلعب مؤشر الدولار الأمريكي (.DXY) دوراً محورياً وحاسماً في تحديد القيمة العادلة للسلع الأساسية المسعرة به. ففي الآونة الأخيرة، تداول الدولار بالقرب من أدنى مستوياته في أربع سنوات مقابل سلة من العملات العالمية الكبرى، وهي حالة من الضعف النقدي تعيد هيكلة القوة الشرائية في أسواق الطاقة.

عندما تنخفض قيمة الدولار، يصبح النفط أقل تكلفة بالنسبة للمستثمرين والمتعاملين الذين يمتلكون عملات أخرى (مثل اليورو أو الين)، مما يحفز الطلب العالمي بشكل آلي. هذا الارتباط العكسي بين العملة والسلعة ساهم بشكل مباشر في دفع أسعار النفط نحو مستويات قياسية، حيث يندفع المستثمرون للتحوط من التضخم وضعف العملة عبر شراء الأصول العينية مثل الخام.

اضطرابات الإمدادات: من خليج المكسيك إلى كازاخستان

واجه جانب العرض العالمي سلسلة من التحديات الهيكلية والطارئة التي ساهمت في تقليص المعروض المتاح في الأسواق، مما أدى إلى حالة من التفاؤل بشأن استمرار موجة الصعود:

  1. العواصف الأمريكية وآثارها التشغيلية: لم تكن العاصفة الشتوية مجرد حدث مناخي عابر، بل أدت إلى توقف كامل لصادرات النفط الخام من موانئ ساحل الخليج الأمريكي الاستراتيجية يوم الأحد. وبالرغم من بدء التعافي التدريجي، إلا أن تراكم السفن وتعطل سلاسل الإمداد اللوجستية في الموانئ سيستغرق أياماً للعودة إلى المستويات الطبيعية، مما يخلق فجوة مؤقتة في التدفقات النقدية والنفطية.
  2. أزمة الإنتاج المعقدة في كازاخستان: لا يزال تعثر الإنتاج في كازاخستان، العضو الفاعل في “أوبك+”، يشكل ركيزة أساسية لدعم الأسعار. وتتركز الأنظار حالياً على حقل “تنجيز” العملاق، حيث تشير التقديرات الرسمية إلى استئناف تدريجي خلال أسبوع، لكن التقارير الميدانية والمصادر المقربة من المشغلين ترسم صورة أكثر تعقيداً، محذرة من أن الأعطال الفنية قد تمتد لفترة أطول، مما يعزز من مخاوف نقص المعروض العالمي.

سياسة “أوبك+” والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط

تتجه بوصلة التوقعات العالمية نحو اجتماع تحالف “أوبك+” المرتقب في الأول من فبراير. وبحسب تسريبات من وفود مشاركة، يسود توافق عام على الإبقاء على سياسة الحذر الحالية، مع استمرار تعليق خطط زيادة الإنتاج لشهر مارس. هذا الالتزام بخفض الإنتاج يعكس رغبة التحالف في الحفاظ على توازن السوق وضمان عدم انهيار الأسعار في حال تباطؤ الطلب الصيني أو العالمي.

على الجانب الآخر، تشتعل المخاطر الجيوسياسية مجدداً؛ إذ أثار وصول حاملة طائرات أمريكية وقطع بحرية هجومية إلى منطقة الشرق الأوسط حالة من الترقب والحذر. وتكمن المخاوف في أن أي تصعيد عسكري قد يطال مضيق هرمز أو يؤدي إلى فرض قيود إضافية على الصادرات الإيرانية (رابع أكبر منتج في أوبك)، مما يضيف ما يعرف بـ “علاوة المخاطر الجيوسياسية” إلى أسعار النفط، وهي قيمة إضافية تفرضها الأسواق تحسباً لأي انقطاع مفاجئ وغير متوقع في الإمدادات.

توقعات الطلب والمخزونات الأمريكية وأثرها المستقبلي

في ختام الأسبوع، يترقب المحللون والمستثمرون بشغف بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA). وتشير استطلاعات الرأي التي أجرتها “رويترز” إلى توقعات متباينة:

  • زيادة في مخزونات الخام والبنزين: نتيجة تراجع نشاط التكرير بسبب الظروف الجوية، مما قد يضغط على الأسعار نزولاً.
  • انخفاض في مخزونات نواتج التقطير: مما يعكس طلباً قوياً على وقود التدفئة في ظل الشتاء القارس، وهو عامل يدعم الأسعار.

إن اتجاه أسعار النفط في الأيام القادمة سيتوقف بشكل كبير على مدى قدرة الإنتاج الأمريكي على التعافي السريع، والقرارات النهائية التي سيتمخض عنها اجتماع “أوبك+”، مما يجعل السوق في حالة تأهب قصوى أمام أي تقلبات مفاجئة.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى