أخبار الأسواقاخبار اقتصادية

تراجع الدولار يضع المركزي الأوروبي في ترقب: هل تتغير خارطة الفائدة العالمية؟

في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها أسواق الصرف العالمية، بدأ القلق يتسرب إلى أروقة البنك المركزي الأوروبي نتيجة الضعف الملحوظ والمستمر الذي يعاني منه الدولار. هذا التراجع، الذي يأتي وسط حالة من الترقب الشديد لما سيؤول إليه مسار السياسة النقدية لدى الفيدرالي الأمريكي، لا يُنظر إليه كمجرد تقلب تقني عابر في أسواق العملات، بل كعامل حاسم وقوي في صياغة قرارات الفائدة الأوروبية وتوجهات الاستقرار النقدي خلال الأشهر المقبلة.

تصريحات فيليروي: اليورو القوي سلاح ذو حدين

أكد “فرانسوا فيليروي دي جالو”، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي ومحافظ بنك فرنسا، أن البنك يراقب بحذر شديد الارتفاع الأخير في قيمة اليورو مقابل العملة الأمريكية. واعتبر فيليروي أن قوة العملة الموحدة، رغم أنها قد تبدو إيجابية من الناحية الظاهرية، إلا أنها تمثل “تحدياً مزدوجاً”؛ فهي تساهم بشكل مباشر في خفض معدلات التضخم المستورد داخل منطقة اليورو، مما يمنح المركزي الأوروبي مساحة أكبر للمناورة وتخفيف القيود النقدية إذا ما دعت الحاجة.

وصرح فيليروي عبر منصة “لينكد إن” موضحاً أبعاد هذا المشهد: “إن تطورات أسعار الصرف، وما يتبعها من إعادة تسعير للأصول العالمية، تعد من الركائز الجوهرية التي ستوجه موقف سياستنا النقدية وتحدد وتيرة تحركاتنا بشأن أسعار الفائدة في المرحلة القادمة”.

لماذا يتراجع الدولار؟ وما دور الفيدرالي الأمريكي؟

يرى المحللون والخبراء الاقتصاديون أن تراجع العملة الأمريكية يعود بوضوح إلى حالة من “ضبابية الرؤية” وعدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية والمالية في واشنطن. فبينما يترقب المستثمرون والأسواق العالمية الخطوة القادمة من الفيدرالي الأمريكي (الاحتياطي الفيدرالي)، تزايدت المخاوف الهيكلية من احتمالية حدوث إغلاق حكومي وشيك، وهو ما أضعف الطلب على الدولار كعملة ملاذ آمن في الوقت الحالي.

علاوة على ذلك، ساهمت التصريحات السياسية الأمريكية الأخيرة، التي أشارت إلى نوع من القبول أو عدم القلق حيال انخفاض قيمة العملة، في تعميق جراح الدولار. ووفقاً لبيانات (LSEG)، سجل اليورو أعلى مستوياته منذ أكثر من أربع سنوات، مقترباً من مستويات حرجة يصفها الاقتصاديون في “جيفريز” بأنها “منطقة تنبيه” تستوجب تدخلاً أو تعليقاً رسمياً من المركزي الأوروبي. ويربط فيليروي هذا الاتجاه بتآكل الثقة التدريجي في الدولار نتيجة غياب القدرة على التنبؤ بالسياسة النقدية، مما يضع ضغوطاً غير مباشرة على الفيدرالي الأمريكي لإعادة النظر في استراتيجيته بما يضمن استقرار النظام المالي العالمي.

تداعيات التضخم وقرار 5 فبراير المرتقب

من المقرر أن يجتمع مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي في 5 فبراير المقبل، في توقيت يتسم بالحساسية الاقتصادية العالية. ورغم أن أغلب التوقعات والتحليلات تشير إلى احتمالية الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند مستوى 2%، إلا أن استمرار نزيف الدولار قد يقلب الطاولة ويفرض سيناريوهات جديدة.

كيف يؤثر ضعف الدولار على التضخم في أوروبا؟

يتجلى تأثير سعر الصرف على الاقتصاد الأوروبي من خلال ثلاث قنوات رئيسية:

  1. انخفاض تكلفة الواردات والسلع الأساسية: نظراً لأن الجزء الأكبر من السلع العالمية، وخاصة الطاقة والمواد الخام، يتم تسعيره بالدولار، فإن قوة اليورو تعني أن الدول الأوروبية ستحتاج لدفع كميات أقل من عملتها للحصول على نفس القدر من السلع. هذا “الخصم” التلقائي يقلل من الضغوط التضخمية التي يشعر بها المستهلك النهائي.
  2. كبح جماح التضخم الأساسي: هذا الانخفاض في التكاليف التشغيلية للمصانع والشركات يؤدي بالضرورة إلى تباطؤ معدلات التضخم السنوية، مما قد يحفز المركزي الأوروبي على انتهاج سياسات أكثر تيسيراً لدعم النمو الاقتصادي المتعثر في بعض دول التكتل.
  3. الضغط على تنافسية الصادرات: على الجانب الآخر، تبرز المخاوف من أن يؤدي اليورو القوي إلى جعل المنتجات الأوروبية أغلى ثمناً في الأسواق العالمية، مما قد يضعف الطلب على الصادرات الألمانية والفرنسية، ويخلق فجوة في الميزان التجاري تثير قلق صناع القرار النقدي.

ختاما إن المشهد الاقتصادي المعقد الذي نعيشه اليوم يعكس حالة من “الارتباط العضوي” بين قرارات الفيدرالي الأمريكي وتوجهات البنك المركزي الأوروبي. فبينما يسعى الأخير جاهداً للحفاظ على استقرار الأسعار وحماية القوة الشرائية لمواطنيه، يجد نفسه مضطراً لملاحقة تحركات “الجرينباك” التي ترسم الملامح الحقيقية للتضخم العالمي. الأيام القادمة، وتحديداً اجتماع فبراير، ستكشف ما إذا كان صانعو السياسة النقدية في فرانكفورت سيتخذون خطوات استباقية جريئة، أم سيفضلون التمسك بسياسة “الانتظار والترقب” حتى تنجلي غيوم عدم اليقين المخيمة على واشنطن.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى