أخبار الأسواقأخبار الدولار الأمريكيفوركس

الدولار الأمريكي يهوي لأدنى مستوياته في 4 أشهر

يشهد سوق الصرف العالمي حالة من الاضطراب الواضح والتحولات الدراماتيكية، حيث سجل الدولار الأمريكي تراجعاً ملحوظاً لليوم الرابع على التوالي، ملامساً أدنى مستوياته في أربعة أشهر. يأتي هذا الهبوط الحاد في وقت حساس للغاية، حيث تترقب الأسواق المالية قرارات مصيرية من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، تزامناً مع تصاعد المخاوف من تدخلات نقدية منسقة وتوترات جيوسياسية وتجارية تعيد رسم خارطة القوى الاقتصادية.

أسباب تراجع الدولار الأمريكي أمام العملات الرئيسية

تضافرت مجموعة من العوامل المعقدة لتضع الدولار الأمريكي تحت ضغط بيعي مكثف، مما أدى إلى تآكل مكاسبه السابقة. ويمكن تفصيل أبرز هذه الأسباب ومقتضياتها فيما يلي:

1. شبح التدخل المشترك لدعم الين الياباني

تتجه أنظار المتداولين والمستثمرين بقلق نحو طوكيو وواشنطن، حيث تسود تكهنات قوية حول احتمالية حدوث تدخل منسق ومباشر لدعم الين الياباني. وما عزز هذه المخاوف هو التقارير المسربة التي تشير إلى قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بإجراء “فحص للأسعار” (Rate Checks) لزوج “الدولار/ين” مع كبار المتعاملين، وهي خطوة تُعد تاريخياً مقدمة لتدخل رسمي في السوق. هذه التحركات دفعت الين للارتفاع بنسبة تقارب 3% خلال جلستين فقط، مما أجبر صناديق الاستثمار على تصفية مراكزها الشرائية في الدولار، ليستقر زوج العملات دون مستوى 153.

2. سياسات “رجل التعرفة الجمركية” وتصاعد الحروب التجارية

عادت حالة عدم اليقين الاقتصادي لتلقي بظلالها على الأسواق بعد سلسلة من التهديدات الجمركية التي أطلقها الرئيس الأمريكي. إن التلويح بفرض رسوم بنسبة 25% على واردات كوريا الجنوبية — التي تعد رابع أكبر اقتصاد في آسيا — خاصة في قطاعات حيوية مثل السيارات والأخشاب والأدوية، أثار ذعراً من تباطؤ سلاسل الإمداد العالمية. علاوة على ذلك، فإن التهديد بفرض رسوم بنسبة 100% على كندا يضع اتفاقيات التجارة الحرة في مهب الريح. هذه السياسات الحمائية أدت إلى تعزيز ما يعرف بـ “تجارة بيع أمريكا” (Sell America trade)، حيث يهرب المستثمرون من الأصول المقومة بالدولار خوفاً من انكماش التجارة العالمية وتراجع النمو الاقتصادي الأمريكي تحت وطأة العزلة التجارية.

3. عدم الاستقرار السياسي الداخلي ومخاوف الإغلاق الحكومي

لا تقتصر الضغوط على الخارج فحسب، بل تمتد إلى الداخل الأمريكي؛ حيث تساهم الخلافات العميقة بين الجمهوريين والديمقراطيين حول تمويل وزارة الأمن الداخلي في زيادة احتمالات حدوث إغلاق حكومي جديد. هذا الشلل التشريعي، الذي يأتي في أعقاب توترات أمنية حدودية، يضعف الثقة في قدرة الإدارة الأمريكية على إدارة ملفاتها المالية بكفاءة، مما ينعكس سلباً على جاذبية الدولار الأمريكي كعملة احتياط آمنة، ويدفع المستثمرين للبحث عن بدائل أكثر استقراراً في أوروبا وآسيا.

أداء العملات الأخرى مقابل الدولار

في ظل حالة الوهن التي أصابت العملة الأمريكية، استغلت العملات الرئيسية الأخرى هذا التراجع لتحقيق مكاسب قوية واستعادة مستويات فنية هامة:

  • اليورو: استعاد بريقه بارتفاع بلغت نسبته 0.7% ليصل إلى 1.19635 دولار، وهو مستوى لم نشهده منذ منتصف عام 2021، مما يعكس تفاؤلاً نسبياً باستقرار الاقتصاد الأوروبي مقارنة بالاضطرابات الأمريكية.
  • الجنيه الإسترليني: صعد بقوة بنسبة 0.8% ليلامس 1.3786 دولار، مسجلاً أقوى أداء له منذ أكتوبر 2021، مدعوماً بتدفقات رؤوس الأموال الباحثة عن عائد بعيداً عن تقلبات واشنطن.
  • الدولار الأسترالي: سجل قفزة نوعية بنسبة 0.8% ليصل إلى أعلى مستوياته منذ فبراير 2023، مستفيداً من تحسن شهية المخاطرة في أسواق السلع الأساسية.

ترقب اجتماع الفيدرالي الأمريكي واستقلالية القرار

تترقب الأسواق العالمية بشغف نتائج اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة المقرر عقده هذا الأسبوع. ورغم أن الإجماع يشير إلى تثبيت أسعار الفائدة، إلا أن القلق الحقيقي يتجاوز لغة الأرقام ليصل إلى استقلالية البنك المركزي نفسه.

إن الضغوط السياسية الممارسة على البنك، والأنباء المتواترة حول احتمال إعلان خليفة لرئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في وقت مبكر، تثير مخاوف من “تسييس” السياسة النقدية. أي إشارة إلى خضوع الفيدرالي لضغوط الإدارة لخفض الفائدة قد تؤدي إلى موجة بيع أعنف على الدولار الأمريكي نتيجة مخاوف التضخم المستقبلي.

تحليل فني ومعنوي: إلى أين يتجه مؤشر الدولار؟

من الناحية الفنية، انخفض مؤشر الدولار (DXY) بنسبة 0.48% ليصل إلى 96.64 نقطة، وهو مستوى حرج يجعله قريباً جداً من كسر قاع سبتمبر الماضي الذي يعد الأدنى في ثلاث سنوات ونصف. يرى كبار استراتيجيي الأسواق أن “اليقين الاقتصادي يتلاشى بسرعة” لصالح تقلبات غير محسوبة. وبينما قد تحاول العوامل الأساسية، مثل فجوة أسعار الفائدة، دعم العملة لاحقاً، إلا أن المشاعر السلبية وسلوك “القطيع” في البيع هي المحرك المهيمن حالياً، مما يجعل محاولة شراء الدولار في هذه اللحظة أشبه بـ “محاولة إمساك منشار ساقط”.

ختاما يواجه الدولار الأمريكي اختباراً وجودياً لثقة المستثمرين؛ فبين مطرقة السياسات الجمركية المتشددة وسندان التهديد باستقلالية الاحتياطي الفيدرالي، تبدو العملة الخضراء في رحلة بحث مضنية عن نقطة توازن جديدة. إن الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا التراجع مجرد تصحيح مؤقت أم بداية لتحول هيكلي طويل الأمد في نظام الصرف العالمي.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى