كيف تعيد تعريفات ترامب تشكيل أسواق الذهب والنحاس؟

يشهد مطلع عام 2026 تحولاً جذرياً في فلسفة التجارة العالمية، حيث لم تعد “تعريفات ترامب” مجرد تكتيك تفاوضي عابر، بل تحولت إلى المحرك الأول لإعادة هيكلة شاملة لسلاسل التوريد والتحوط بالسلع الأساسية. ومع ترسيخ عقيدة “أمريكا أولاً” كواقع جيوسياسي، يراقب المستثمرون والمؤسسات المالية بحذر صعود الذهب لمستويات تاريخية غير مسبوقة، وسط تهافت محموم من القوى العظمى لتأمين “المعادن الاستراتيجية” مثل النحاس والألمنيوم التي باتت تشكل عصب الاقتصاد الرقمي والأخضر.
إعادة رسم خارطة التجارة: من الصدام مع الحلفاء إلى الاتفاقات الموازية
لم تعد الضغوط التجارية للإدارة الأمريكية الحالية محصورة في الخصوم التقليديين، بل امتدت لتختبر متانة التحالفات القديمة. مؤخراً، هز الرئيس دونالد ترامب الأسواق بإعلان رفع الرسوم الجمركية على واردات كوريا الجنوبية إلى 25% (صعوداً من 15%) كأداة ضغط لتسريع الموافقة على اتفاقيات تجارية جديدة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل لوح بفرض رسوم حمائية تصل إلى 100% على كندا، الجار الشمالي والشريك التجاري الأكبر، رداً على أي محاولة لتعميق الروابط التجارية مع بكين.
هذه “المبارزة التجارية” الشرسة دفعت القوى الاقتصادية الكبرى للبحث عن مخارج اضطرارية؛ حيث سارعت الهند والاتحاد الأوروبي لإبرام اتفاقية تجارة حرة ضخمة. وقد وصفت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، هذا الاتفاق بأنه “درع واقٍ” وانتصار لنموذج “التعاون الدولي القائم على القواعد”، في رسالة مبطنة تعبر عن رفض التوجهات الأحادية الأمريكية التي باتت تهدد استقرار تدفقات السلع العالمية.
الذهب والنحاس: الملاذات الآمنة في عصر “حروب التجارة”
في ظل هذا التفتت الجيوسياسي، لم تكن السلع الأولية مجرد مواد خام، بل تحولت إلى أدوات سيادية للتحوط:
- الذهب (Gold): استمر المعدن الأصفر في تأكيد مكانته كملجأ أخير ضد عدم اليقين. ومع تجاوز الأسعار حاجز 5,000 دولار للأوقية في مطلع 2026، لم يعد الشراء مدفوعاً بالمضاربة فقط، بل برغبة استراتيجية من البنوك المركزية لتقليل الاعتماد على الدولار والتحوط من التضخم المستورد الناتج عن رفع التعريفات الجمركية التي تزيد من تكلفة السلع النهائية.
- النحاس (Copper): يُطلق عليه المحللون اليوم “الذهب الجديد” نظراً لدوره المحوري في الثورة الكهربائية وصناعة الرقائق. قفزت أسعار النحاس بنسبة 41%، مما أدى إلى موجة من الاندماجات العدائية في قطاع التعدين؛ حيث تسعى شركات مثل “ريو تينتو” للسيطرة على الأصول النحاسية لضمان التفوق في سوق الطاقة المتجددة الذي لا يقبل القسمة على اثنين في ظل ندرة المعروض.
- الألمنيوم (Aluminum): بدأ الألمنيوم في الخروج من ظل النحاس كبديل استراتيجي أقل تكلفة في تطبيقات التوصيل الكهربائي. وتوقعات محللي “UBS” بنمو الطلب بنسبة 3.5% في 2027 تعكس فجوة متزايدة بين العرض المحدود والطلب المتسارع، مما يضع الحكومات أمام تحدي تأمين مخزونات وطنية لمواجهة أي انقطاع في الإمدادات.
الاحتياطي الفيدرالي: هل يكون “ريك ريدر” خيار ترامب الذهبي؟
تترقب الأوساط المالية في “وول ستريت” بفارغ الصبر هوية الربان القادم للسفينة النقدية الأمريكية. برز ريك ريدر (Rick Rieder)، العقل الاستثماري في “بلاك روك”، كأوفر المرشحين حظاً بنسبة احتمالية تلامس 43.5% وفقاً لمنصة “Polymarket”.
تكمن جاذبية ريدر بالنسبة لترامب في انتقاداته الصريحة لسياسة الفيدرالي التقليدية؛ حيث يرى أن البنك المركزي يغرق في بيانات التضخم التاريخية (المتأخرة) ويتجاهل الطفرة النوعية في الإنتاجية التي أحدثها الذكاء الاصطناعي والأتمتة. هذا التوجه نحو خفض أسعار الفائدة لتعزيز “النمو الحقيقي” وتحسين القدرة على تحمل التكاليف المعيشية يجعله الشريك المثالي لرؤية ترامب الاقتصادية الساعية لتحفيز الاستثمار المحلي.
التنين الصيني والذكاء الاصطناعي: “DeepSeek” وإعادة تعريف المنافسة
رغم جدار الحماية التقني الذي تحاول واشنطن بناءه، تثبت الصين قدرة فائقة على المناورة من خلال نموذج DeepSeek. من خلال اعتماد استراتيجية “المصادر المفتوحة” (Open Source)، نجحت الصين في خلق منظومة تعاونية تسرع من وتيرة التطوير متجاوزة قيود العتاد.
ومع المرونة التي أبداها ترامب مؤخراً بالسماح لشركة Nvidia بتصدير شرائح (H200) المتقدمة للصين، تزداد المخاوف من أن تتمكن المختبرات الصينية من بناء حواسيب فائقة للتدريب بتكاليف منافسة. هذا التطور قد يؤدي إلى إغراق السوق العالمي بنماذج ذكاء اصطناعي أرخص وأكثر كفاءة، مما يضع شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى (Hyperscalers) مثل “مايكروسوفت” و”ميتا” تحت ضغط هائل لتبرير إنفاقها الملياري الضخم.
ختاما إن المشهد الاقتصادي لعام 2026 يتطلب مرونة غير تقليدية؛ فإعادة رسم خارطة التجارة ليست مجرد مناورات سياسية، بل هي تغيير هيكلي في كيفية تقييم الأصول. إن الاستثمار الذكي اليوم يتطلب التركيز على المعادن الاستراتيجية كتحوط سيادي، ومراقبة الحرس الجديد في الاحتياطي الفيدرالي، والاستعداد لموجات تصحيحية في قطاع الرعاية الصحية، بينما يظل الذكاء الاصطناعي الصيني هو “الحصان الأسود” الذي قد يغير قواعد اللعبة التقنية في أي لحظة.
اقرأ أيضا…


