أسعار النفط تواصل الصعود: عواصف أمريكا تجمد الإنتاج والتوترات الجيوسياسية تدعم المكاسب

شهدت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً خلال تداولات اليوم الثلاثاء، مدفوعة بموجة صقيع تاريخية غير مسبوقة ضربت الولايات المتحدة الأمريكية، مما أدى إلى حالة من الشلل المروري في قطاع الطاقة وتعطل واسع النطاق في عمليات الاستخراج وتكرير الخام، لا سيما في منطقة ساحل الخليج الأمريكي التي تعد شريان الحياة للقطاع النفطي. ورغم الضغوط الهبوطية الناتجة عن بوادر عودة الإمدادات من كازاخستان، إلا أن الهواجس المتعلقة باتساع فجوة العرض مقابل الطلب المتعافي لا تزال تهيمن على المشهد العام وتدفع المستثمرين نحو مراكز الشراء.
أداء العقود الآجلة لخام برنت وخام تكساس
على صعيد التداولات، سجلت العقود الآجلة لخام “برنت” القياسي زيادة قدرها 23 سنتاً، أي ما يعادل 0.35%، ليرتقي سعر البرميل إلى مستويات 65.82 دولاراً، وهو مستوى يعكس تفاؤل الأسواق بقدرة الخام على الحفاظ على مكاسبه. وفي الوقت ذاته، ارتفع خام غرب تكساس الوسيط (WTI) بمقدار 29 سنتاً، بنسبة 0.48%، ليستقر بثبات عند 60.92 دولاراً للبرميل. تعكس هذه الأرقام المتصاعدة حالة من الترقب الشديد والتحوط التي تنتهجها الأسواق في ظل تداخل العوامل المناخية المتطرفة مع التعقيدات الجيوسياسية المتسارعة.
العاصفة الشتوية في الولايات المتحدة تسبب شلل في الإمدادات
تسببت العاصفة الشتوية القاسية التي تجتاح الولايات المتحدة في إحداث إرباك هيكلي في البنية التحتية للطاقة، حيث أدت الثلوج الكثيفة والرياح القطبية إلى تجميد رؤوس الآبار وتعطل مضخات الاستخراج. ووفقاً لتقديرات المحللين والخبراء الميدانيين، فقد المنتجون الأمريكيون ما يصل إلى 2 مليون برميل يومياً، وهو ما يعادل تقريباً 15% من إجمالي الإنتاج الوطني. هذا النقص المفاجئ يضع ضغوطاً هائلة على جداول التسليم الفورية، ويدفع الأسواق إلى إعادة تقييم التوازنات قصيرة المدى.
ولم تقتصر التداعيات على منصات الحفر فحسب، بل امتدت لتشل عصب صناعة التكرير على طول ساحل الخليج الأمريكي، حيث أعلنت عدة مصافي كبرى عن توقفات قسرية أو خفض في معدلات التشغيل بسبب تجمد الأنابيب وانقطاع التيار الكهربائي. ويرى خبراء الاقتصاد أن هذا الشلل في التكرير سيؤدي بالضرورة إلى سحوبات حادة ومفاجئة من مخزونات النفط الاستراتيجية والتجارية خلال الأسابيع القليلة المقبلة، خاصة مع الارتفاع الحاد في الطلب على وقود التدفئة، مما يمنح أسعار النفط زخماً إضافياً للصعود واختبار مستويات مقاومة جديدة.
في الجانب الآخر من المعادلة، برزت أنباء من كازاخستان كعامل موازن كبح جزئياً جماح الارتفاعات المتتالية؛ حيث أعلنت وزارة الطاقة الكازاخستانية عن خطط عملية لاستئناف الإنتاج من حقولها العملاقة بعد فترة من الصيانة والاضطرابات الفنية. كما أكدت شركة (CPC)، التي تدير شريان التصدير الرئيسي للبلاد، عودة محطتها على البحر الأسود الروسي للعمل بكامل طاقتها التشغيلية، مما يعطي إشارة للأسواق بأن هناك تدفقات قادمة قد تساهم في سد جزء من العجز الناجم عن الأعطال الأمريكية، وإن كانت وتيرة الاستجابة لا تزال توصف بأنها “حذرة وتدريجية”.
المشهد الجيوسياسي وتأثيره على علاوة المخاطر
وعلى الرادار الجيوسياسي، تسود حالة من القلق المتزايد مع وصول تعزيزات عسكرية أمريكية، تشمل حاملة طائرات وسفناً هجومية، إلى منطقة الشرق الأوسط. هذا التحرك، الذي يهدف إلى تعزيز الردع وحماية المصالح الاستراتيجية، يعيد إلى الأذهان هشاشة الممرات المائية الحيوية لنقل الطاقة. هذه التوترات لا تساهم فقط في رفع الأسعار فعلياً، بل تبقي “علاوة المخاطر الجيوسياسية” مدمجة في تسعير كل برميل، حيث يخشى المتداولون من أي تصعيد قد يؤدي إلى تعطيل الإمدادات في منطقة تمتلك النصيب الأكبر من احتياطيات النفط العالمية.
ختاماً، تترقب الأوساط النفطية العالمية بتركيز عالٍ الاجتماع الافتراضي لتحالف “أوبك+” المقرر في الأول من فبراير. وتتواتر الأنباء حول إجماع شبه مؤكد بين ثمانية أعضاء قياديين، تقودهم المملكة العربية السعودية وروسيا، نحو تمديد سياسة التجميد الحالية لزيادات الإنتاج المقررة لشهر مارس. يهدف هذا التوجه إلى ضمان عدم إغراق السوق بالإمدادات في وقت لا تزال فيه العوامل الموسمية والمناخية غير مستقرة، مما يرسخ مستويات الدعم الحالية ويمنع أي تقلبات حادة قد تضر باستقرار أسعار النفط على المدى المتوسط.
اقرأ أيضا…



