أخبار الأسواقأخبار الذهبسلع

أسعار الذهب تحلق لمستويات تاريخية جديدة والفضة تقفز 8%

شهدت الأسواق المالية العالمية طفرة استثنائية وغير مسبوقة في أسعار الذهب، حيث واصل المعدن الأصفر رحلة صعوده التاريخية مدفوعاً بمزيج من التوترات الجيوسياسية المتصاعدة وحالة عدم اليقين التي تفرضها السياسات التجارية المتشددة للإدارة الأمريكية. ولم يقتصر هذا الزخم الصعودي على الذهب فحسب، بل امتد ليشمل سوق المعادن الثمينة بشكل عام، وعلى رأسها الفضة التي حققت قفزة سعرية هائلة بنسبة 8%، لتستقر عند مستويات تقترب من ذروتها التاريخية، مما يعكس حالة الهلع الشرائي والبحث عن الأمان المالي.

أسعار الذهب تكسر الحواجز النفسية والمستويات القياسية

سجلت أسعار الذهب في المعاملات الفورية ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة 1.6% لتصل إلى 5,092.70 دولاراً للأوقية، وذلك بعد أن نجحت في وقت سابق من التداولات في ملامسة قمة تاريخية غير مسبوقة عند 5,110.50 دولاراً. هذا الاختراق لحاجز الـ 5100 دولار يمثل تحولاً جوهرياً في سيكولوجية السوق، حيث تحول من مستوى مقاومة فني إلى نقطة انطلاق جديدة. ويعكس هذا الارتفاع المتسارع رغبة المستثمرين، من مؤسسات وأفراد، في التحصن داخل “الملاذات الآمنة” مع تعاظم المخاوف من اندلاع حروب تجارية عالمية قد تعيد تشكيل سلاسل التوريد وتؤثر على معدلات النمو العالمي.

أما على صعيد الأسواق المستقبلية، فقد أغلقت العقود الآجلة الأمريكية لتسليم فبراير على ارتفاع طفيف بنسبة 0.1% لتستقر عند 5,088.40 دولاراً للأوقية. هذا الاستقرار النسبي عند مستويات مرتفعة يؤكد القناعة الراسخة لدى المتداولين بأن العوامل الداعمة للذهب ليست مجرد طفرات عابرة، بل هي انعكاس لبيئة اقتصادية تتسم بالمخاطر المرتفعة وضبابية الرؤية.

سياسات ترامب التجارية: المحرك الأساسي لطلب الملاذات الآمنة

يرى المحللون والخبراء الاقتصاديون أن النهج “الصدامي” الذي يتبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارة الملفات التجارية الدولية يعد الوقود الأساسي الذي يغذي اشتعال أسعار الذهب. وتتجلى تداعيات هذه السياسات في عدة نقاط مفصلية:

  1. سلاح الرسوم الجمركية: أحدث إعلان ترامب عن نيته رفع الرسوم الجمركية على الواردات القادمة من كوريا الجنوبية لتصل إلى 25%، خاصة في قطاعات حيوية مثل السيارات والأخشاب والأدوية، هزة في الأسواق الآسيوية. هذا التوجه، المقترن بانتقادات حادة لسيول بسبب ما وصفه بالفشل في تفعيل الاتفاقيات التجارية، عزز التوقعات بحدوث اضطرابات في التجارة العابرة للمحيط الهادئ.
  2. تآكل الثقة مع الحلفاء: لم تقتصر التهديدات على الخصوم التجاريين، بل امتدت لتشمل حلفاء تقليديين مثل كندا. هذه الضغوط المتواصلة خلقت ما يعرف بـ “علاوة المخاطر الجيوسياسية” (Geopolitical Risk Premium)، حيث يتم تسعير الذهب بناءً على احتمالات التصعيد المفاجئ في الخطاب السياسي الأمريكي، مما يجعله الخيار الدفاعي الأول.
  3. الضغوط على العملة وتحديات الداخل: تساهم الضبابية المحيطة بالسياسات النقدية، إلى جانب التهديدات المتكررة بإغلاق الحكومة الأمريكية نتيجة الخلافات الميزانية، في إضعاف جاذبية الدولار. هذا التراجع في قيمة “الغرينباك” يصب مباشرة في مصلحة الذهب، حيث يصبح المعدن المسعر بالدولار أرخص ثمناً للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، مما يحفز الطلب العالمي.

الفضة تقفز 8% والنسبة الذهبية في أدنى مستوياتها منذ عقود

في تحرك دراماتيكي لافت، تفوقت الفضة في أدائها على الذهب من حيث النسبة المئوية، حيث قفزت الأسعار الفورية بنسبة 8% لتصل إلى 110.19 دولاراً للأوقية، بعد أن سجلت لفترة وجيزة مستوى قياسياً عند 117.69 دولاراً. وقد بلغت مكاسب “معدن الفقراء” كما يلقب تاريخياً، أكثر من 50% منذ بداية العام الحالي، وهو ما أدى إلى انخفاض نسبة الذهب إلى الفضة (Gold-to-Silver Ratio) إلى أدنى مستوى لها منذ 14 عاماً، مما يشير إلى زخم مضاربي هائل.

ومع ذلك، أطلق محللو وحدة “BMI” التابعة لمؤسسة فيتش العالمية تحذيرات من أن الفضة قد بدأت تدخل منطقة “التشبع الشرائي”، حيث تبدو باهظة الثمن من الناحية الفنية مقارنة بالذهب. وتتوقع المؤسسة أن تبدأ الأسعار في التهدئة خلال الأشهر المقبلة مع تحسن سلاسل الإمداد وتراجع حدة النقص في المعروض، خاصة مع ظهور مؤشرات على تباطؤ النشاط الصناعي في الصين، التي تعد المستهلك الأكبر للفضة في الأغراض التكنولوجية والصناعية.

أداء المعادن الأخرى وترقب قرار الفيدرالي

في ظل هذا المشهد المتقلب، سجلت المعادن النفيسة الأخرى أداءً متبايناً يعكس تضارب شهية المخاطرة:

  • البلاتين: تعرض لعمليات جني أرباح واسعة، حيث تراجع بنسبة 2.2% ليصل إلى 2,697.45 دولاراً للأوقية، بعد الارتفاعات القياسية التي سجلها في الجلسات السابقة.
  • البلاديوم: أظهر تماسكاً أكبر، حيث أضاف 1.1% إلى قيمته ليصل إلى 2,004.37 دولاراً، مستفيداً من بعض الطلب الصناعي المستقر.

وتتجه كافة الأنظار حالياً نحو مبنى البنك المركزي الأمريكي، حيث يترقب المستثمرون نتائج اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وبينما تشير أغلب التوقعات إلى تثبيت أسعار الفائدة، إلا أن القلق الحقيقي يكمن في “لهجة” البيان الختامي ومدى استقلالية البنك في مواجهة ضغوط الإدارة الأمريكية، وهو عامل حاسم سيحدد مسار الدولار وبالتالي مستويات أسعار الذهب في المدى القريب.

ختاما تثبت المعطيات الراهنة أن أسعار الذهب لم تعد تتحرك وفق المعايير الاقتصادية الدورية التقليدية فحسب، بل أصبحت رهينة للتقلبات السياسية غير المتوقعة. وفي ظل استمرار نهج “أمريكا أولاً” التجاري وتصاعد التوترات الجيوسياسية، يظل الذهب الركيزة الأساسية لحماية المحافظ الاستثمارية. ورغم احتمالات حدوث تصحيحات سعرية فنية، خاصة في سوق الفضة، إلا أن الاتجاه العام يظل صعودياً ما لم يطرأ تغيير جذري في المشهد السياسي العالمي أو تظهر إشارات حاسمة لنمو اقتصادي مستقر بعيداً عن شبح الحروب التجارية.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى