البيتكوين تحت ضغط البيع: لماذا تراجع السعر دون 90 ألف دولار؟

شهد سوق العملات المشفرة موجة من التقلبات الحادة وغير المتوقعة هذا الأسبوع، حيث تراجع سعر البيتكوين (Bitcoin) ليهوي إلى ما دون مستوى الدعم النفسي والهيكلي الهام عند 90,000 دولار. يأتي هذا الهبوط المفاجئ بعد فترة وجيزة من التفاؤل المفرط الذي ساد الأوساط الاستثمارية، مما يعيد طرح التساؤلات الجوهرية حول طبيعة العملة الرقمية كأصل استثماري مستقر، ومدى قدرتها على الصمود في وجه العواصف الجيوسياسية المتقلبة وتغيرات السياسة النقدية العالمية المتسارعة.
أسباب تراجع البيتكوين دون مستويات الـ 90 ألف دولار
لم يكن تراجع البيتكوين مجرد حركة سعرية عابرة، بل كان نتيجة تضافر معقد لمجموعة من العوامل الاقتصادية الكلية والضغوط الجيوسياسية التي أدت في نهاية المطاف إلى تحول جذري في شهية المخاطرة لدى المستثمرين، ودفعهم نحو استراتيجية “الهروب من المخاطر” (Risk-off sentiment):
1. التوترات الجيوسياسية وسلاح الرسوم الجمركية
لعبت المناورات السياسية الأخيرة دوراً محورياً في إعادة رسم خارطة التدفقات النقدية؛ حيث أحدثت التهديدات بفرض رسوم جمركية جديدة على دول أوروبية حالة من “الارتباك” في الأسواق العالمية. ورغم أن حدة هذه التهديدات قد خفتت نسبياً في الأيام التالية، إلا أن الأثر النفسي خلف حالة من عدم اليقين (Uncertainty). في مثل هذه البيئات، يميل كبار المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في الأصول المتقلبة مثل العملات المشفرة، والهروب نحو الملاذات التقليدية التي توفر درجة أعلى من الوضوح في الرؤية، وهو ما حرم البيتكوين من الزخم اللازم للحفاظ على مستوياته العليا.
2. ضغوط السندات اليابانية وصعود عوائد الخزانة الأمريكية
يشير التحليل المعمق للأسواق، كما أوضح سامر حسن من “XS.com”، إلى وجود ترابط عكسي بين عوائد السندات والسيولة الموجهة للكريبتو. إن عمليات البيع المكثفة في السندات الحكومية اليابانية، بالتزامن مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، رفعت من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الأصول التي لا تدر عائداً ثابتاً كالبيتكوين. كما أن ترقب المستثمرين لتوجهات بنك اليابان النقدية المتشددة جعل صفقات الشراء المعتمدة على الاقتراض (Leverage) تبدو انتحارية في ظل بيئة ترتفع فيها أسعار الفائدة وتضيق فيها هوامش الربح.
3. “تسونامي” تسييل المراكز المالية (Liquidations)
تأثر السعر بشكل دراماتيكي بآلية التغذية الراجعة الناتجة عن تصفية عقود الآجل (Futures). عندما عجز البيتكوين عن اختراق حاجز الـ 100 ألف دولار المنشود، بدأت موجة من “البيع القسري” للمراكز التي كانت تراهن على الصعود. تشير البيانات إلى أن تصفية صفقات تزيد قيمتها عن مليار دولار لم تكن مجرد تصحيح فني، بل كانت “انهياراً ميكانيكياً” للرافعة المالية المفرطة. هذا النوع من التسييل يخلق ضغطاً بيعياً متسلسلاً، حيث يؤدي هبوط السعر إلى تفعيل أوامر إيقاف الخسارة، مما يدفع السعر لمزيد من الهبوط في حلقة مفرغة أطاحت بمكاسب الأسابيع الماضية.
هل البيتكوين “ذهب رقمي” حقاً؟
لطالما روج أنصار التشفير لفرضية أن البيتكوين هو “الذهب الرقمي” القادر على العمل كدرع واقٍ ضد تآكل القوة الشرائية للعملات الورقية. إلا أن السلوك السعري خلال هذه الأزمة وضع هذه الفرضية على المحك؛ ففي الوقت الذي كان فيه الذهب والفضة يحطمان أرقاماً قياسية جديدة نتيجة لجوء المستثمرين إليهما للتحوط، كان البيتكوين يفقد قيمته بوتيرة متسارعة.
هذا الانفصال في الأداء يؤكد أن المؤسسات المالية واللاعبين الكبار لا يزالون يعاملون البيتكوين كـ “أصل مخاطرة” (Risk Asset) يخضع لنفس معايير تقييم أسهم التكنولوجيا الناشئة. ففي لحظات الذعر الحقيقي، تظل السيولة تتدفق نحو الأصول التي تمتلك تاريخاً طويلاً من الأمان المادي، مما يضع البيتكوين في مرتبة “المضاربة التقنية” أكثر منها “مخزناً للقيمة” في أوقات الأزمات الكبرى.
التحديات التنظيمية والجمود التشريعي
علاوة على العوامل السوقية، يواجه البيتكوين رياحاً معاكسة من الجانب التنظيمي. إن تعثر قانون “وضوح سوق الأصول الرقمية” (Digital Asset Market Clarity Act) في أروقة مجلس الشيوخ الأمريكي قد أرسل إشارة سلبية للمؤسسات الكبرى التي كانت تنتظر إطاراً قانونياً واضحاً قبل ضخ سيولة ضخمة. هذا الجمود التشريعي يجعل مديري الصناديق يترددون في إدراج العملات الرقمية ضمن محافظهم الاستثمارية الأساسية، مفضلين الانتظار حتى تتضح الرؤية القانونية، مما يحرم السوق من “السيولة المستقرة” التي يحتاجها لتقليل حدة التقلبات.
التوقعات الفنية والسيناريوهات المستقبلية
من منظور التحليل الفني، دخل البيتكوين في مرحلة اختبار قاسية لمستويات الدعم؛ حيث تظل مناطق 87,000 و 84,000 دولار هي الخطوط الدفاعية الأخيرة قبل الدخول في تصحيح أعمق. ومع تسجيل صناديق البيتكوين المتداولة (ETFs) تخارجات مالية ضخمة بلغت حوالي 500 مليون دولار في يومين فقط، يبدو أن الثقة المؤسسية قد اهتزت مؤقتاً. سيتطلب العودة لمسار الصعود استقراراً في عوائد السندات العالمية وصدور بيانات اقتصادية أمريكية تهدئ من روع الأسواق بشأن التضخم والسياسة الجمركية.
ختاما يظل البيتكوين أصلاً يتمتع بإمكانات نمو هائلة، لكنه لا يزال في مرحلة النضج التي تجعله عرضة لحساسية مفرطة تجاه تقلبات السيولة الكلية والقرارات الجيوسياسية. إن الدرس المستفاد من أحداث هذا الأسبوع هو أن فهم التداخل الوثيق بين مؤشرات الاقتصاد الكلي وسوق العملات المشفرة أصبح ضرورة لا غنى عنها لأي مستثمر يسعى للنجاح في هذا السوق المتقلب.
اقرأ أيضا…



