الدولار الأمريكي يستعيد توازنه بعد تصريحات ترامب في دافوس حول “جرينلاند”
شهد سوق العملات العالمي حالة من الترقب والحذر خلال تداولات اليوم، حيث تمكن الدولار الأمريكي من الارتداد صعوداً من أدنى مستوياته في ثلاثة أسابيع. جاء هذا التعافي الطفيف بعد خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منتدى الاقتصاد العالمي بـ “دافوس”، والذي سعى فيه إلى تهدئة المخاوف بشأن تصعيد عسكري محتمل للاستحواذ على جزيرة “جرينلاند”، وهو الملف الذي أثار عاصفة من التوترات التجارية مع الحلفاء الأوروبيين.
تحركات الدولار الأمريكي أمام العملات الرئيسية
بعد موجة بيع واسعة طالت الأصول الأمريكية نتيجة التهديدات بفرض تعريفات جمركية انتقامية، استقر سعر الدولار الأمريكي اليوم مسجلاً ارتفاعات طفيفة أمام سلة من العملات، مدفوعاً بحالة من “صيد الصفقات” بعد التراجعات الحادة:
- اليورو مقابل الدولار: تراجع اليورو بنسبة 0.17% ليصل إلى 1.17 دولار، بعد أن سجل بالأمس أعلى مستوى له منذ نهاية ديسمبر عند 1.1770 دولار. ويأتي هذا التراجع في ظل مخاوف المستثمرين من أن أي صدام تجاري بين واشنطن وبروكسل سيضر بمنطقة اليورو بشكل أكبر من الاقتصاد الأمريكي على المدى الطويل.
- الفرنك السويسري: انخفض الفرنك (الملاذ الآمن) بنسبة 0.47% ليصل إلى 0.7934 مقابل الدولار، متخلياً عن بعض مكاسبه القوية التي حققها مطلع الأسبوع. ويعكس هذا الانخفاض رغبة المستثمرين في جني الأرباح بعد صعود الفرنك بنسبة 1.5% خلال الـ 48 ساعة الماضية.
- الين الياباني: ظل الدولار الأمريكي ثابتاً أمام الين عند مستويات 158.25. وتترقب الأسواق بحذر دخول زوج العملات إلى “منطقة التدخل” الرسمية للبنك المركزي الياباني عند مستويات 159/160، خاصة بعد تعهدات رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي بتخفيف السياسة المالية، مما زاد من الضغط السلبي على العملة اليابانية.
لغز جرينلاند وتأثيره على الأسواق والسياسة التجارية
كانت الأسواق قد تفاعلت سلبياً وبشكل عنيف مع تلويح الإدارة الأمريكية بفرض رسوم جمركية تصل إلى 25% على ثماني دول أوروبية (تشمل الدنمارك، فرنسا، ألمانيا، والنرويج) ما لم يتم فتح قنوات للتفاوض الجدي حول سيادة “جرينلاند”. ومع ذلك، فإن استبعاد ترامب للخيار العسكري في خطابه الأخير في دافوس أعطى الأسواق متنفساً، رغم تأكيده على السعي لمفاوضات فورية، واصفاً الجزيرة بأنها “جزء من أمريكا الشمالية”.
ويعلق “آدم بوتون”، كبير محللي العملات في investingLive: “نحن لسنا في نهاية هذه الملحمة، لكن استبعاد القوة العسكرية يمنع حدوث انقسام لا يمكن إصلاحه بين واشنطن وأوروبا. ومع ذلك، فإن عدم تقديم ترامب لأي إنذارات نهائية في دافوس يشير إلى رغبته في استخدام التجارة كأداة ضغط قصوى بدلاً من المواجهة المباشرة”.
في المقابل، صعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من لهجته، داعياً الاتحاد الأوروبي لتفعيل ما يسمى بـ “بازوكا التجارة” (أداة مكافحة الإكراه)، وهي آلية تسمح بفرض قيود صارمة على الخدمات والمنصات التقنية والمناقصات العامة الأمريكية في أوروبا. هذا الصدام المحتمل يضع الدولار الأمريكي في وضع حساس بين دوره كملاذ آمن وبين مخاطر تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
ضغوط خارجية: صناديق التقاعد والديون السيادية
لم يقتصر الضغط على الدولار الأمريكي بسبب السياسة الخارجية فقط، بل امتد ليشمل سوق السندات الأمريكية التي تعاني بالفعل من ضغوط التضخم والديون. فقد أعلن صندوق التقاعد الدنماركي (AkademikerPension) عن خطة لبيع حيازاته من سندات الخزانة الأمريكية البالغة 100 مليون دولار بحلول نهاية الشهر.
ورغم أن الرقم قد يبدو صغيراً في سوق السندات العالمي، إلا أن الرسالة السياسية كانت واضحة؛ حيث يخشى المستثمرون من أن تصبح الديون الأمريكية أداة في الصراع السياسي. وفي الوقت ذاته، سجلت الكرونة السويدية أعلى مستوى لها في 4 سنوات أمام الدولار عند 10.099، حيث بدأ المستثمرون بتنويع محافظهم بعيداً عن العملات الكبرى لصالح عملات الدول ذات مستويات الدين المنخفضة والميزانيات القوية.
التحليل الفني والتوقعات المستقبلية
من الناحية الفنية، يراقب المتداولون مستويات الدعم والمقاومة لعملة الدولار الأمريكي بدقة:
- منطقة التدخل للين: إذا استمر ضعف الين الياباني ووصل الزوج إلى حاجز 160، فمن المتوقع تدخل رسمي من بنك اليابان، مما قد يؤدي إلى عمليات بيع مكثفة على الدولار لإعادة التوازن.
- حساسية السندات: التقلبات العنيفة في السندات الحكومية اليابانية (JGBs) زادت من حساسية تداولات الدولار/ين. ويرى المحللون أن غياب المشترين الاستراتيجيين في سوق السندات سيجعل التقلبات سمة بارزة خلال العام 2026.
ختاما يبقى الدولار الأمريكي في قلب العاصفة الجيوسياسية الحالية. وبينما وفر خطاب دافوس استقراراً مؤقتاً عبر استبعاد العمل العسكري، إلا أن شبح “بازوكا التجارة” الأوروبية والتعريفات الجمركية المرتبطة بملف “جرينلاند” سيظلان المحركين الرئيسيين لتقلبات سوق الفوركس. على المستثمرين مراقبة قمة بروكسل الطارئة يوم الخميس، حيث سيتحدد المسار الذي سيسلكه اليورو والدولار في مواجهة هذا الصراع الاقتصادي غير المسبوق.
اقرأ أيضا…




تعليق واحد