أخبار الأسواقاخبار اقتصادية

سياسات ترامب ومستقبل الدولار: هل يقترب عصر “إنهاء الهيمنة”؟

تتصدر تساؤلات مستقبل الدولار الأمريكي واجهة المشهد الاقتصادي العالمي، خاصة مع صدور تقرير حديث ومعمق من بنك الاستثمار العالمي مورجان ستانلي (Morgan Stanley). يشير التقرير إلى أن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الديون السيادية، التجارة الدولية، والعقوبات المالية، فضلاً عن استقلالية المؤسسات الوطنية، ستكون “حاسمة” ومركزية في تحديد وتيرة تحول العالم نحو نظام نقدي متعدد الأقطاب، أو ما يعرف بظاهرة “إلغاء الدولرة” (De-dollarization) التي بدأت تتسارع وتيرتها مؤخراً.

محاور تقرير مورجان ستانلي: السياسة الأمريكية في قفص الاتهام

وفقاً للمحللين في “وول ستريت”، فإن جاذبية الأخضر الأمريكي لم تعد تعتمد فقط على قوة المؤشرات الاقتصادية الكلية، بل أصبحت رهينة لقرارات سياسية داخلية وخارجية مثيرة للجدل. إليك توسع في أبرز العوامل التي حددها التقرير كعوامل ضغط هيكلية على العملة الأمريكية:

1. استدامة الديون وتفاقم العجز المالي

يرى مورجان ستانلي أن الارتفاع المستمر في الدين العام الأمريكي، الذي تجاوز مستويات قياسية، يثير قلقاً عميقاً لدى المستثمرين الأجانب والبنوك المركزية الكبرى. إن سياسات ترامب المالية، التي تميل تاريخياً نحو خفض الضرائب بالتزامن مع زيادة الإنفاق العسكري والبنية التحتية، قد تؤدي إلى اتساع الفجوة المالية بشكل غير مسبوق.

  • التداعيات: هذا المسار قد يقلل من الثقة في قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها طويلة الأجل دون اللجوء لطباعة النقد، مما يدفع الدول الكبرى لتقليص حيازاتها من سندات الخزينة الأمريكية والبحث عن أصول بديلة أكثر أماناً وحيادية.

2. الحروب التجارية الشاملة وسلاح الرسوم الجمركية

لطالما كان “التهديد بالرسوم الجمركية” الأداة المفضلة في أجندة ترامب الاقتصادية لانتزاع تنازلات سياسية واقتصادية. يوضح التقرير أن استخدام الدولار كأداة ضغط في المفاوضات التجارية (مثل ما نراه في التوترات الحالية حول “جرينلاند” أو النزاعات مع الشركاء الأوروبيين) يخلق حالة من عدم اليقين العالمي.

  • الأثر التطبيقي: هذه الضغوط تشجع القوى الاقتصادية الكبرى، مثل الصين والاتحاد الأوروبي وحتى حلفاء الناتو، على ابتكار قنوات مالية موازية وتعزيز استخدام عملاتها المحلية في التبادل التجاري البيني، وذلك لتقليل الانكشاف على المخاطر المرتبطة بتقلبات السياسة الخارجية الأمريكية المفاجئة.

3. “تسييس” العملة وسلاح العقوبات المالية

أدى التوسع في استخدام العقوبات المالية المقومة بالدولار إلى تحويل العملة من وسيلة للتبادل العالمي إلى أداة جيوسياسية حادة. يشير خبراء مورجان ستانلي إلى أن “تسييس” النظام المالي (مثل تجميد الأصول المركزية لدول معينة) دفع دول مجموعة “بريكس” وناشئين آخرين إلى تسريع تطوير أنظمة دفع مستقلة.

  • النماذج البديلة: نلاحظ تنامي الاعتماد على نظام CIPS الصيني كبديل لنظام “سويفت”، وزيادة الاهتمام بالعملات الرقمية للبنوك المركزية التي تسمح بتسويات فورية تتجاوز النظام المالي الذي تسيطر عليه واشنطن، مما يضعف دور الدولار كـ “شرطي مالي” للعالم.

الانتقال إلى “عالم متعدد الأقطاب” وجاذبية الذهب

يتوقع مورجان ستانلي أن يشهد عام 2026 ذروة التحولات الهيكلية مع وضوح نتائج السياسات الاقتصادية للإدارة الأمريكية. ولأول مرة منذ عقود، يبرز الذهب كالمنافس الأقوى للدولار في هذا العالم متعدد الأقطاب، حيث تجاوزت قيمة حيازات البنوك المركزية العالمية من الذهب قيمة حيازاتها من سندات الخزينة الأمريكية في سابقة تاريخية تعكس الرغبة في التحوط.

العملات والأصول المستفيدة من تراجع المركزية

وفقاً لتوقعات المحللين، فإن المشهد المالي القادم سيعتمد على تنويع المحافظ السيادية نحو:

  • اليورو (EUR): الذي يكتسب زخماً جديداً كعملة تسوية في القارة الأوروبية وجوارها.
  • الين الياباني (JPY): الذي يحتفظ بجاذبيته كملاذ آمن في ظل الاضطرابات السياسية العالمية.
  • الذهب والعملات الرقمية (CBDCs): التي توفر سيادة مالية بعيداً عن تقلبات السياسة الوطنية لأي دولة بمفردها.

ختاما أن تقرير مورجان ستانلي لا يشير إلى “سقوط” مفاجئ، بل إلى “إعادة توازن كبرى” (Great Rebalancing). إن قوة الدولار العميقة مستمدة من سيولة أسواق السندات الأمريكية وضخامة الاقتصاد، وهو وضع لا يمكن استبداله ببديل واحد في المدى القريب.

ومع ذلك، فإن التقرير يحذر من أن “المخاطرة السياسية” الناتجة عن تراجع ثقة المؤسسات واهتزاز استقلالية الاحتياطي الفيدرالي أصبحت الآن متغيراً جوهرياً. إن استمرار الضغط على المؤسسات المالية الأمريكية قد يسرع من عملية التآكل التدريجي لحصة الدولار في الاحتياطيات الدولية، مما يعني أن الولايات المتحدة قد تفقد مستقبلاً “الامتياز الباهظ” الذي مكنها من تمويل عجزها بأسعار فائدة منخفضة لعقود طويلة.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى