أخبار الأسواقأخبار الذهبسلع

أسعار الذهب تكسر حاجز 4800 دولار بدعم من مخاوف التوترات الجيوسياسية

في تطور تاريخي غير مسبوق، سجلت أسعار الذهب قفزة صاروخية لتتجاوز مستويات الـ 4800 دولار للأوقية، مدفوعة بموجة عارمة من الذعر الجيوسياسي الذي اجتاح ردهات البورصات العالمية. يأتي هذا الارتفاع الدراماتيكي في وقت حساس يواجه فيه النظام المالي العالمي اختباراً هو الأصعب منذ عقود، نتيجة تصاعد التوترات الحادة بين الولايات المتحدة وحلف الناتو بشأن ملف جزيرة “جرينلاند” الاستراتيجية، وهو ما أعاد خلط أوراق الاستثمار العالمية رأساً على عقب.

أرقام قياسية جديدة في سوق المعادن الثمينة

شهدت تداولات يوم الأربعاء (21 يناير 2026) حالة من “الهروب الكبير” نحو الأصول الآمنة، حيث ارتفع السعر الفوري للذهب بنسبة 2.1% ليصل إلى 4862.19 دولار للأوقية، بعد أن لامس في ذروة الجلسة الصباحية مستوى تاريخياً مذهلاً عند 4887.82 دولار. هذا الزخم الشرائي القوي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء استجابةً مباشرة لتسييل مراكز واسعة في سوق الأسهم والسندات الأمريكية التي تعرضت لضغوط بيع هائلة.

ولم يتوقف الأمر عند الذهب وحده، بل امتد “البريق” ليشمل سلة المعادن النفيسة التي باتت الملاذ الوحيد المتبقي للمستثمرين:

  • الفضة: استلهمت قوتها من الذهب لتسجل مستويات قياسية هي الأخرى عند 94.96 دولار للأوقية، مدعومة بطلب استثماري وصناعي متزايد.
  • البلاتين والبلاديوم: لم يكونا بمنأى عن هذا الجنون، حيث لامس البلاتين ذروة عند 2511.80 دولار قبل أن يدخل في مرحلة تماسك مؤقتة، بينما تأثر البلاديوم بحالة عدم اليقين التي تكتنف سلاسل التوريد العالمية.

لماذا قفزت أسعار الذهب بهذا الشكل الجنوني؟

يرى المحللون الاقتصاديون أن المحرك الرئيسي لهذا الصعود ليس مجرد مضاربات فنية عابرة، بل هو انعكاس عميق لعدة عوامل جوهرية تضافرت لتخلق “العاصفة المثالية” في الأسواق:

1. تصعيد ملف “جرينلاند” والصدع مع حلف الناتو

أحدثت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة حول الإصرار على فرض السيطرة على جزيرة جرينلاند هزة عنيفة في أروقة الدبلوماسية الدولية. فالتلويح باستخدام “القوة” للسيطرة على الأراضي القطبية، مقروناً بالهجوم اللاذع على حلفاء الناتو، أدى إلى تآكل الثقة في الاستقرار الجيوسياسي الذي ساد لفترة طويلة. هذا النوع من المخاطر “الوجودية” للنظام الدولي يدفع رؤوس الأموال دائماً للاحتماء بالذهب، كونه الأصل الوحيد الذي لا يعتمد على استقرار أي حكومة أو نظام مالي.

2. انهيار الثقة في الأصول الأمريكية وضعف الدولار

تجاوزت التداعيات الجانب السياسي لتضرب صميم القوة المالية الأمريكية؛ إذ أدت التهديدات بفرض رسوم جمركية انتقامية مشددة على الدول الأوروبية إلى موجة بيع ذعري للأصول المقومة بالدولار. ونتيجة لذلك، ترنح مؤشر الدولار (DXY) عند أدنى مستوياته في شهر، وهو ما منح أسعار الذهب قوة دفع مزدوجة؛ فمن جهة يزداد الطلب عليه كملاذ آمن، ومن جهة أخرى يصبح أقل تكلفة للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، مما يرفع وتيرة الشراء العالمي بشكل مطرد.

3. مخاوف التضخم واتساع فجوة الديون المتراكمة

يؤكد خبراء الأسواق أن تجاوز حاجز 4800 دولار يعكس قناعة راسخة لدى كبار المستثمرين وصناديق التحوط بأن الاتجاه الصاعد لن يتوقف قبل بلوغ مستوى 5000 دولار. فالديون العالمية التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، بالتزامن مع سياسات نقدية تضخمية، تعزز من مكانة الذهب كأداة وحيدة قادرة على التحوط ضد تآكل القوة الشرائية للعملات الورقية التي بدأت تفقد بريقها أمام تقلبات المشهد السياسي.

تحليل فني: هل نرى الذهب عند 5000 دولار قريباً؟

من الناحية الفنية والمكانيكية للسوق، تشير التحليلات إلى أن الذهب قد دخل فعلياً في منطقة “اكتشاف السعر” (Price Discovery)، وهي مرحلة يتم فيها تحطيم كافة القواعد التاريخية للتسعير. ففي هذه المنطقة، لا تعود المقاومات التقليدية ذات قيمة أمام قوة الزخم الشرائي الناتج عن الخوف الجيوسياسي.

  • نقطة الدعم الحالية: تتركز بقوة عند 4800 دولار، وباتت تشكل قاعدة انطلاق صلبة لأي تحركات قادمة.
  • المستهدف القادم: بات الحاجز النفسي عند 5000 دولار قاب قوسين أو أدنى، ويتوقع الخبراء أن يتم اختراقه بسهولة في حال استمرار التصعيد الكلامي بين واشنطن وبروكسل، أو في حال بدأ الاتحاد الأوروبي في تنفيذ إجراءات مضادة ملموسة.

نصيحة للمستثمرين في ظل تذبذب أسعار الذهب

في هذه الأجواء المشحونة بالتوتر، يثبت الذهب مرة أخرى أنه “ترمومتر” الخوف العالمي والمؤشر الأدق لنبض الشارع المالي. وبينما يحقق المعدن الأصفر مكاسب قياسية قد تغري بالدخول السريع، يجب على المستثمرين توخي الحذر ومراقبة المتغيرات التالية بدقة:

  1. ردود الفعل الأوروبية الحاسمة: تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الرافضة لما وصفه بـ “الابتزاز التجاري” تشير إلى أن أوروبا لن تقف مكتوفة الأيدي، مما قد يعني تصعيداً في الحروب التجارية التي تزيد من جاذبية الذهب.
  2. بيانات التضخم وسوق العمل: أي إشارات إضافية لارتفاع التضخم في الاقتصادات الكبرى ستكون بمثابة الوقود الإضافي الذي يدفع أسعار الذهب لاختراق مستويات لم تكن متوقعة قبل أشهر قليلة.

ختاما إن ما نشهده اليوم في سوق المعادن النفيسة ليس مجرد تقلب سعري، بل هو إعادة صياغة جذرية لمفهوم المخاطر السيادية في القرن الحادي والعشرين. وطالما بقيت “أزمة جرينلاند” والتلويح بالرسوم الجمركية حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأمريكية، فإن الذهب سيبقى المتصدر بلا منازع، كونه الخيار الأول والوحيد لمن يبحث عن الأمان المالي في عالم مضطرب يفتقر لأدنى درجات اليقين.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى