أسعار النفط تتماسك وسط تهديدات ترامب التجارية وتفاؤل بنمو الاقتصاد الصيني

شهدت أسعار النفط حالة من الاستقرار الملحوظ خلال تداولات يوم الثلاثاء، حيث دخل المستثمرون في مرحلة تقييم شاملة للتهديدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن فرض تعريفات جمركية على دول أوروبية. وتأتي هذه التحركات في وقت تتوازن فيه الضغوط الجيوسياسية الناجمة عن السياسة الخارجية الأمريكية مع مؤشرات اقتصادية إيجابية قادمة من الصين، أكبر مستورد للخام في العالم، مما خلق حالة من التعادل بين قوى العرض والطلب.
أداء العقود الآجلة لأسعار النفط اليوم
في تمام الساعة 09:18 بتوقيت جرينتش، سجلت العقود الآجلة لخام برنت لشهر مارس تراجعاً طفيفاً بنسبة 0.17% لتصل إلى 63.83 دولاراً للبرميل، وهو ما يعكس ترددا في اتخاذ مراكز شرائية كبيرة قبل وضوح الرؤية السياسية. وفي المقابل، انخفض عقد خام غرب تكساس الأمريكي (WTI) لشهر فبراير بنحو 49 سنتاً، أو ما يعادل 0.8%، ليستقر عند 58.95 دولار.
هذا التباين المحدود في الأداء السعري يجسد حالة “الانتظار والترقب” التي تسيطر على المتعاملين؛ فبينما تضغط مخاوف النزاعات التجارية على الأسعار نحو الأسفل، تعمل توقعات الطلب القوي على خلق مستويات دعم فنية تمنع الهبوط الحاد في أسعار النفط.
تهديدات جرينلاند وأثرها على توازن السوق
أثار توجه الرئيس ترامب للاستحواذ على جزيرة “جرينلاند” موجة من القلق الجيوسياسي بعد تهديده الصريح بفرض رسوم جمركية مرتفعة على قائمة طويلة من الدول الأوروبية الحليفة، والتي تشمل الدنمارك، النرويج، السويد، فرنسا، ألمانيا، هولندا، فنلندا، وبريطانيا. هذه التهديدات ليست مجرد ضغوط سياسية، بل هي تلويح بإعادة صياغة الخارطة التجارية بين ضفتي الأطلسي.
ووفقا للمحلل الاقتصادي “تاماس فارغا” من شركة PVM، فإن هذه التهديدات -رغم خطورتها- لن يكون لها تأثير تقني فوري على ميزان العرض والطلب الفعلي في سوق الطاقة على المدى القصير. ومع ذلك، فإن التداعيات طويلة المدى تكمن في مخاطر نشوب “حرب تجارية” شاملة قد تؤدي إلى تباطؤ النشاط الصناعي العالمي، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً لمستويات استهلاك الطاقة العالمية.
عوامل جوهرية دعمت استقرار أسعار النفط:
- توقعات صندوق النقد الدولي: قامت المؤسسة المالية الدولية بمراجعة تقديرات النمو الاقتصادي العالمي نحو الأعلى، مما بعث برسالة طمأنة للأسواق بأن الركود العالمي ليس وشيكاً، ووفر “وسادة أمان” قانونية ونفسية حالت دون انهيار الأسعار أمام التهديدات التجارية.
- تعافي هوامش تكرير الديزل: ساهم الارتفاع القوي في أسعار المشتقات النفطية، وتحديداً الديزل، في دعم أسعار الخام؛ حيث أن زيادة الطلب على الوقود الصناعي ووقود الشحن تدفع المصافي لزيادة معدلات تكرير النفط الخام، مما يدعم الجانب الاستهلاكي من المعادلة.
الصين: محرك النمو وبارقة أمل لطلب النفط العالمي
لعبت البيانات الاقتصادية الصينية الأخيرة دور الصمام الذي حافظ على توازن الأسواق. فقد كشفت بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الرابع عن نمو فاق توقعات المحللين، حيث استقر معدل نمو الاقتصاد الصيني عند 5.0% خلال العام الماضي، مما يبدد المخاوف بشأن “هبوط حاد” لثاني أكبر اقتصاد في العالم.
ويرى “توني سيكامور”، محلل الأسواق في IG، أن هذه المرونة الاقتصادية في الصين وفرت دعماً معنوياً هائلاً؛ إذ أن استقرار المصانع الصينية يعني استمرارية تدفق الخام إلى الموانئ الآسيوية. وما يعزز هذه النظرة التفاؤلية هو ارتفاع إنتاج النفط المحلي في الصين بنسبة 1.5% وارتفاع معدلات التكرير بنسبة 4.1%، وهي مؤشرات تدل على أن المحرك الصناعي الصيني لا يزال يعمل بكفاءة عالية رغم التحديات العالمية، مما يجعل أسعار النفط أقل عرضة للصدمات الخارجية.
الملف الفنزويلي واستراتيجيات الخصم السعري
لا تزال فنزويلا تشكل متغيراً مهماً في معادلة الطاقة الدولية، خاصة مع تصاعد حدة الخطاب الأمريكي بشأن مستقبل إدارتها النفطية. وفي تطور يعكس الصراع على حصص السوق، قامت شركة “فيتول” العملاقة لتجارة السلع بعرض النفط الفنزويلي بخصومات حادة وصلت إلى 5 دولارات للبرميل عن سعر خام برنت القياسي لتسليمات شهر أبريل.
هذه “الحرب السعرية” الصغيرة تهدف بشكل أساسي لجذب المصافي الصينية بعيداً عن درجات الخام المنافسة، وتوضح كيف يمكن للاضطرابات السياسية أن تخلق فرصاً تجارية استثنائية تؤثر بشكل غير مباشر على مستويات التسعير العالمية وتزيد من حدة التنافس بين المنتجين.
اقرأ أيضا…



