أخبار الأسواقاخبار اقتصادية

المواجهة الكبرى: كيف أعادت “أزمة جرينلاند” تشكيل العقيدة التجارية الأوروبية؟

دخلت العلاقات الاقتصادية بين ضفتي الأطلسي “نفقاً مظلماً” لم تعهده منذ عقود، حيث تحولت جزيرة جرينلاند المتجمدة إلى بؤرة صراع مشتعلة تهدد بانهيار النظام التجاري العالمي القائم على القواعد. لم يعد الأمر مجرد خلاف فني حول تعريفات جمركية أو تبادل لسلع عابرة للحدود، بل تحول الصراع إلى صدام مباشر حول مفهوم السيادة الوطنية الحديثة، واستخدام “الابتزاز الاقتصادي” كأداة شرعية في عقيدة السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة.

من الصفقات العقارية إلى الحروب التجارية

فاجأت إدارة الرئيس دونالد ترامب العالم بربطها المباشر والعلني بين المصالح الجيوسياسية العليا والعلاقات التجارية البينية؛ حيث اشترطت “تنازل” الدنمارك عن سيادتها على جرينلاند مقابل إعفاء حلفائها الأوروبيين من رسوم جمركية عقابية باهظة. هذه الرسوم، التي قد تصل إلى 25% بحلول يونيو المقبل، لا تستهدف السلع الدنماركية فحسب، بل تمتد لتضع ثماني عواصم أوروبية رئيسية، من برلين الصناعية إلى لندن المالية، في مرمى النيران الاقتصادية المباشرة.

إن التهديد الأمريكي بزيادة التكاليف على الصادرات الأوروبية ليس مجرد إجراء مالي عابر، بل هو “زلزال” جيوسياسي يهدف إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في القطب الشمالي. تسعى واشنطن من خلال هذه الضغوط إلى وضع يدها على الموارد المعدنية النادرة – الضرورية لصناعات التكنولوجيا والبطاريات – وتأمين المواقع الاستراتيجية لمواجهة التمدد الروسي والصيني في الشمال، حتى لو كان الثمن هو التضحية باستقرار أقرب حلفائها التقليديين وتحويلهم إلى خصوم تجاريين.

“أداة مكافحة الإكراه”: عندما تخلع أوروبا قفازات الحرير

لسنوات طويلة، عُرف الاتحاد الأوروبي في الدوائر السياسية بكونه “عملاقاً اقتصادياً وقزماً سياسياً” يفتقر لأسنان عسكرية أو أدوات ردع خشنة. لكن أزمة جرينلاند استدعت تفعيل أداة مكافحة الإكراه (Anti-Coercion Instrument – ACI) كخيار نووي اقتصادي. هذه الأداة ليست مجرد تشريع تقني بارد، بل هي “إعلان استقلال” تجاري يمنح بروكسل القدرة القانونية والسياسية على الرد بشكل غير متكافئ وحاسم.

بدلاً من الدخول في دهاليز النزاعات القضائية التي تستغرق سنوات في منظمة التجارة العالمية، تتيح هذه الأداة للاتحاد الأوروبي ممارسة “الردع النشط” عبر:

  • شن ضربات استباقية ومركزة: من خلال استهداف قطاعات أمريكية حيوية ذات ثقل سياسي، مثل التكنولوجيا الفائقة والمشاريع الكبرى المتصلة بالمشتريات الحكومية، مما يخلق ضغوطاً داخلية على واشنطن من قبل كبرى شركاتها.
  • حصار الاستثمارات والخدمات: وضع عوائق إجرائية ومالية صارمة أمام تدفقات رؤوس الأموال الأمريكية التي تسعى للتوسع في السوق الأوروبية الموحدة، وحرمانها من الوصول إلى البيانات أو التسهيلات الضريبية.
  • سلاح الملكية الفكرية الاستراتيجي: القدرة على ممارسة ضغوط عبر تعليق حماية براءات الاختراع للشركات الأمريكية، وهو ما يمثل “كابوساً” حقيقياً لوادي السيليكون وقطاع الأدوية الأمريكي، حيث تضرب القوة الأوروبية العصب الحيوي للابتكار الأمريكي.

صراع الأجنحة داخل البيت الأوروبي

تسببت الأزمة في ظهور انقسام استراتيجي عميق داخل القارة العجوز، يعكس تضارب المصالح القومية لكل دولة:

  1. المقاربة الفرنسية (السيادية): ترى باريس في هذه الأزمة “لحظة الحقيقة” التي طالما انتظرتها لفرض رؤيتها حول “الاستقلال الاستراتيجي” الأوروبي. وتدعو فرنسا لاستخدام كامل القوة الاقتصادية دون مواربة، معتبرة أن أي تراجع أمام ترامب سيعني تحول أوروبا إلى مجرد “تابع” اقتصادي لا يملك قرار نفسه.
  2. المقاربة الألمانية (الواقعية): تمثل برلين صوت الحذر الاقتصادي الشديد؛ حيث تخشى ألمانيا من أن يتحول الرد الأوروبي الحازم إلى “انتحار اقتصادي” متبادل. فبالنسبة لدولة يعتمد ازدهارها على تصدير السيارات والآلات المتطورة للسوق الأمريكي، فإن أي “بازوكا تجارية” قد ترتد شظاياها لتصيب المصانع الألمانية في الصميم وتؤدي إلى موجة بطالة غير مسبوقة.

هذا التباين يضع وحدة القرار الأوروبي في اختبار تاريخي؛ فهل ستنتصر لغة المصالح التجارية الضيقة والمخاوف الاقتصادية، أم ستسود الرغبة في بناء قطب عالمي قوي يتحرر أخيراً من التبعية الجيوسياسية للولايات المتحدة؟

93 مليار يورو: فاتورة المواجهة وتداعياتها على الأسواق

تُقدر القيمة الإجمالية للرسوم المضادة التي تلوح بها المفوضية الأوروبية بنحو 93 مليار يورو (108 مليار دولار). هذا الرقم الضخم يمثل فقط رأس جبل الجليد؛ إذ يحذر الخبراء من أن تجميد الاتفاقيات التجارية السابقة وتعليق التصويت في البرلمان الأوروبي سيؤدي إلى “تآكل شامل للثقة” في النظام المالي العالمي.

النتائج المترتبة على هذه المواجهة قد تشمل:

  • اضطراب سلاسل التوريد: زيادة التكاليف على المستهلكين في كلا الجانبين، مما قد يؤجج معدلات التضخم مجدداً.
  • نزوح الاستثمارات: قد تدفع حالة عدم اليقين المستثمرين للهروب من الأصول الأوروبية، مما يسبب موجات بيع حادة في البورصات وفقدان الزخم في معدلات النمو الهشة أصلاً.

دافوس: الفرصة الأخيرة فوق قمم الجبال

بينما يجتمع نخبة قادة العالم في منتدى دافوس، تظل الأنظار مشدودة لترقب أي إشارة من الرئيس ترامب أو من اللقاءات المغلقة التي تجري في كواليس المنتجعات السويسرية. يرى المحللون أن الأمل الوحيد لنزع فتيل هذه “القنبلة الموقوتة” يكمن في الوصول إلى تسوية “تجميد متبادل”: تأجيل الرسوم الأمريكية مقابل فتح مسار دبلوماسي طويل الأمد لمناقشة قضايا القطب الشمالي، دون المساس بالسيادة الدنماركية أو الكرامة الأوروبية.

ختاما أزمة جرينلاند هي نقطة تحول مفصلية في تاريخ القرن الحادي والعشرين؛ فقد أجبرت أوروبا على مغادرة منطقة الراحة كـ “منطقة تجارة حرة” لتتحول إلى “لاعب جيوسياسي خشن” يملك مخالب اقتصادية قادرة على الرد. وسواء قررت بروكسل إطلاق “بازوكا الإكراه” أم لا، فإن قواعد الاشتباك التجاري عبر الأطلسي قد تغيرت للأبد، ودخل العالم حقبة جديدة حيث تُباع وتُشترى التحالفات مقابل أراضٍ وموارد.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى