أخبار الأسواقأخبار الذهباخبار اقتصاديةسلع

أسعار الذهب والفضة تقفز لمستويات تاريخية: كيف أشعلت “أزمة جرينلاند” سباق الملاذات الآمنة؟

شهدت أسعار الذهب والفضة قفزات تاريخية غير مسبوقة خلال تعاملات اليوم الاثنين، حيث اندفع المستثمرون عالمياً نحو الملاذات الآمنة في أعقاب تصعيد جيوسياسي حاد ومفاجئ أعاد رسم خارطة المخاطر في الأسواق المالية. وجاء هذا الارتفاع القياسي مدفوعاً بتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المباشرة بفرض رسوم جمركية إضافية قاسية على دول أوروبية، رداً على رفضها القاطع لمنح الولايات المتحدة حق السيطرة أو شراء جزيرة “جرينلاند” الشاسعة.

قفزة تاريخية في أسعار الذهب عالمياً

على صعيد التداولات، سجلت أسعار الذهب الفورية (Spot Gold) ارتفاعاً حاداً بنسبة 1.6% لتصل إلى 4666.65 دولار للأوقية، وذلك بعد أن نجحت في ملامسة أعلى مستوى لها على الإطلاق في وقت مبكر من الجلسة عند 4689.39 دولار. ولم تتخلف سوق العقود الآجلة عن هذا الركب؛ فقد تقدمت عقود الذهب الأمريكية لتسليم فبراير بنسبة 1.7% لتستقر عند مستويات 4671.40 دولار.

ويعكس هذا الصعود العمودي ما يمكن وصفه بحالة “الذعر الاستثماري” الشاملة؛ حيث أدت هذه التهديدات التجارية إلى موجة بيع واسعة في العقود الآجلة للأسهم الأمريكية وتراجع حاد في مؤشر الدولار. هذا الضعف في العملة الخضراء، المقترن بالاضطراب السياسي، جعل المعدن الأصفر الخيار السيادي الأول للتحوط، ليس فقط ضد تآكل القوة الشرائية، بل كحائط صد أمام التصدعات المحتملة في النظام النقدي والسياسي العالمي.

أزمة جرينلاند: المحرك الرئيسي والتبعات الجيوسياسية

تأتي هذه التحركات العنيفة في الأسواق كثمرة مباشرة لتصريحات الرئيس ترامب يوم السبت، والتي اتسمت بنبرة تصعيدية غير مسبوقة، حيث تعهد بتنفيذ موجة متلاحقة من الرسوم الجمركية التي ستطال الحلفاء الأوروبيين التقليديين — بما في ذلك الدنمارك، النرويج، السويد، فرنسا، ألمانيا، وبريطانيا — حتى يتم إجبار هذه الدول على التفاوض بشأن مستقبل الجزيرة القطبية.

ويرى محللون استراتيجيون في شركة “StoneX” أن هذه التوترات تجاوزت مفهوم الخلافات التجارية العابرة؛ إذ يشير المحلل مات سيمبسون إلى أن “إقحام الرسوم الجمركية في ملف سيادي مثل جرينلاند يؤكد أن التهديد حقيقي وليس مجرد مناورة”. وتكمن الخطورة الكبرى في أن هذا الصدام قد يمثل الخطوة الفعلية الأولى نحو تفكك التحالفات التاريخية مثل حلف الناتو، وهو ما يغذي “السيناريو الصعودي” لـ أسعار الذهب، حيث تميل الأسواق لتسعير المخاطر الوجودية للتحالفات الدولية بزيادة الطلب على الذهب كمخزن للقيمة لا يعتمد على التزامات حكومية.

الفضة تتفوق في الأداء والبلاتين يلحق بالركب

في حين استحوذ الذهب على العناوين الرئيسية، كانت أسعار الفضة تحقق أداءً استثنائياً فاق التوقعات، حيث قفزت بنسبة 4% لتصل إلى 93.50 دولار للأوقية، بعد أن سجلت مستوى قياسياً جديداً عند 94.08 دولار.

ويحلل خبراء بنك “OCBC” هذا التفوق بأن الفضة تستفيد حالياً من “محرك مزدوج”؛ فهي تعمل كملاذ آمن في وقت الأزمات السياسية، وفي الوقت ذاته يدعمها نقص هيكلي حاد في الإمدادات المادية مقابل طلب صناعي مرن. ومع ذلك، يبرز فارق جوهري في الرؤية التحليلية؛ حيث حذر محللو “جيه بي مورجان” من أن وتيرة الصعود السريعة للفضة قد تؤدي إلى تصحيح فني مفاجئ قد يربك المتداولين على المدى القصير، مؤكدين أن الذهب يظل “الأصل الأنقى” للاستثمار الطويل الأجل بفضل هيكليته الصعودية الأكثر توازناً ومقاومته للتقلبات الحادة التي تشتهر بها الفضة.

أداء المعادن النفيسة الأخرى في ظل الأزمة:

  • البلاتين: سجل نمواً بنسبة 1.1% ليصل إلى 2353.25 دولار، مستفيداً من أجواء التفاؤل العام بالمعادن.
  • البلاديوم: اكتفى بارتفاع طفيف بنسبة 0.2% ليصل إلى 1804.06 دولار، في ظل ترقب لمسار القطاعات الصناعية.

توقعات أسعار الذهب في ظل تصاعد الحروب التجارية

من الناحية التحليلية، تظل النظرة المستقبلية لأسعار الذهب شديدة التفاؤل طالما ظلت لغة التهديد هي السائدة بين واشنطن والاتحاد الأوروبي. فإذا ما بدأت الرسوم الجمركية حيز التنفيذ في فبراير (بنسب تبدأ من 10% وتتصاعد لتصل إلى 25% بحلول يونيو)، فإن الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الاستيراد ستجبر البنوك المركزية على إعادة تقييم سياساتها، مما يعزز جاذبية الذهب.

يتوقع خبراء الاقتصاد أن يكسر الذهب حاجز المقاومة النفسي عند 4700 دولار قريباً جداً، مع احتمالية استهداف مستويات الـ 5000 دولار قبل نهاية الربع الأول من عام 2026، خاصة إذا ما دخلت تدابير الرد الانتقامية الأوروبية حيز التنفيذ.

ختاما في هذه المرحلة الحرجة، تبرز أسعار الذهب كبوصلة وحيدة وموثوقة لقياس حجم المخاطر الجيوسياسية. لذا، ينصح المستثمرون وصناع القرار المالي بضرورة التحوط عبر زيادة الحيازات من الذهب الفعلي أو الصناديق المدعومة بالمعدن، مع ضرورة المراقبة اللحظية للتحركات الدبلوماسية في بروكسل. إن أي مؤشر على “حرب تجارية شاملة” لن يكتفي برفع الأسعار فحسب، بل قد يغير مفهوم “القيمة” في الأسواق العالمية لعقود قادمة.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى