الدولار الأمريكي مقابل الين: اليابان تلوح بالتدخل لردع المضاربين.. هل ينجح “الفيدرالي” في الحفاظ على مكاسبه؟

شهد سوق الصرف الأجنبي تحولات دراماتيكية في مستهل تداولات اليوم الجمعة، حيث استعاد الين الياباني جزءاً من توازنه المفقود بعد سلسلة من التحذيرات شديدة اللهجة أطلقتها طوكيو. يأتي هذا التحرك في وقت يواصل فيه الدولار الأمريكي فرض هيمنته على سلة العملات الرئيسية، مدعوماً ببيانات اقتصادية قوية وتوقعات متشددة بشأن سياسة “الاحتياطي الفيدرالي”. هذا الصراع بين الرغبة اليابانية في استقرار العملة والقوة الشرائية الأمريكية يضع المتداولين في حالة من التأهب القصوى، وسط تساؤلات عن المدى الذي يمكن أن تصل إليه الضغوط قبل حدوث انفجار في مستويات السيولة.
الين يلتقط الأنفاس بعد تصريحات “كاتاياما”
ارتفعت العملة اليابانية بنسبة 0.41% لتصل إلى مستوى 157.98 مقابل الدولار الأمريكي، بعد أن صرحت وزيرة المالية اليابانية، ساتسوكي كاتاياما، بأن طوكيو “لن تستبعد أي خيارات” لمواجهة الضعف المفرط في العملة، بما في ذلك التدخل المنسق مع الولايات المتحدة. وتعد هذه التصريحات بمثابة “تدخل شفهي” صريح يهدف إلى ثني المضاربين عن دفع الين إلى مستويات متدنية جديدة، حيث أكدت كاتاياما أنها تتشارك مع وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، الرؤية ذاتها بأن التحركات الأخيرة في سوق العملات كانت “مفرطة ولا تعكس الأساسيات الاقتصادية”.
وجاءت هذه التصريحات بعد أن سجل الين أدنى مستوياته في 18 شهراً، مدفوعاً بمخاوف المستثمرين من السياسات المالية التوسعية التي قد تنتهجها رئيسة الوزراء سناء تاكايتشي. وتعتزم تاكايتشي حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة للحصول على تفويض شعبي لخطط الإنفاق الضخمة التي تتبناها. هذه الضغوط السياسية تزيد من تعقيد مهمة السلطات النقدية، إذ أن زيادة الإنفاق الحكومي عادة ما تؤدي إلى إضعاف العملة المحلية في ظل استمرار الفجوة في أسعار الفائدة.
هل اقتربنا من “خط التدخل الأحمر”؟
يرى المحللون في بنك “UBS” أن “تجارة تاكايتشي” (Takaichi Trade) كانت المحرك الأساسي لارتفاع زوج الدولار الأمريكي مقابل الين، لكن مخاطر التدخل الفعلي بدأت تلوح في الأفق. وبينما يشير خبراء إلى أن مستوى 160-162 قد يكون المحفز الفعلي للتدخل، يرى آخرون أن المسؤولين اليابانيين لم يصلوا بعد إلى “أقصى درجات الاستنفار”.
إن التدخل في سوق العملات ليس مجرد قرار فني، بل هو مغامرة مالية تتطلب توقيتاً دقيقاً؛ فالتدخل المبكر قد يفشل في تغيير الاتجاه العام، بينما التأخر قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التضخم المستورد. ومع اقتراب الزوج من حاجز الـ 160، تزداد احتمالات رؤية “صدمة تدخل” قد تعيد الزوج إلى مستويات 154 في غضون ساعات قليلة، وهو سيناريو يخشاه المراهنون على صعود الدولار.
قوة الدولار الأمريكي: الفيدرالي يعيد رسم الخرائط
على الجانب الآخر من المحيط، لا يزال الدولار الأمريكي يتحرك قرب أعلى مستوياته في ستة أسابيع. الفضل في ذلك يعود إلى مرونة سوق العمل الأمريكي بشكل غير متوقع، حيث أظهرت البيانات الأخيرة تحسناً ملحوظاً في معدلات التوظيف، مما دفع الأسواق إلى استبعاد خفض مبكر لأسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي.
وتشير التوقعات الآن إلى أن شهر يونيو هو الموعد الأكثر ترجيحاً لأي تحرك من الفيدرالي، مما يبقي عوائد السندات الأمريكية مغرية للمستثمرين العالميين. هذه الهيمنة تعزز من مكانة الدولار الأمريكي كأصل ملاذ آمن ومدر للعائد في آن واحد، مما يزيد من الضغوط البيعية على العملات ذات العائد المنخفض مثل الين.
أداء مؤشر الدولار والعملات الرئيسية:
- مؤشر الدولار الأمريكي (DXY): تراجع طفيف بنسبة 0.12% ليصل إلى 99.23 نقطة، لكنه يظل متماسكاً فوق متوسطاته المتحركة الهامة.
- اليورو: ارتفع بنسبة 0.1% ليتم تداوله عند 1.1618 دولار، مستفيداً من حالة التقاط الأنفاس المؤقتة في زخم العملة الخضراء.
- الدولار الأسترالي: استمد دعماً إضافياً من قوة اليوان الصيني وتحسن أرقام الصادرات؛ حيث يُنظر إليه تاريخياً كـ “بروكسي” أو وكيل للمخاطر المرتبطة بالنمو الاقتصادي في الصين، نظراً للروابط التجارية الوثيقة بين البلدين.
بنك اليابان.. رفع الفائدة في الأفق؟
في تطور مفاجئ، كشفت مصادر مطلعة أن بعض صانعي السياسة في بنك اليابان يرون مجالاً لرفع أسعار الفائدة في وقت أقرب من توقعات السوق، وربما يكون ذلك في شهر أبريل المقبل. الهدف من هذه الخطوة هو الحد من الضغوط التضخمية الناتجة عن تراجع قيمة الين، والتي بدأت تنعكس بشكل مباشر على تكاليف الاستيراد، وخاصة الطاقة والغذاء، مما يثقل كاهل المستهلك الياباني.
إن التحول نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً في طوكيو قد يكون “نقطة التحول” الحقيقية لزوج الدولار الأمريكي مقابل الين. فإذا بدأ بنك اليابان في تقليص الفجوة مع الفيدرالي، فقد نشهد عودة قوية لعمليات “فك صفقات الكاري تريد” (Carry Trade Unwinding)، حيث يعيد المستثمرون أموالهم إلى الين لتغطية مراكزهم، وهو ما قد ينهي حقبة ضعف الين الطويلة.
التوقعات المستقبلية: تحديات عام 2026
تشير التحليلات الفنية والأساسية إلى أن عام 2026 قد يحمل رياحاً معاكسة للدولار الأمريكي إذا ما بدأت البنوك المركزية الكبرى الأخرى في رفع أسعار الفائدة بوتيرة أسرع من الفيدرالي لتدارك التضخم. ومع ذلك، يظل الفارق الحالي في عوائد السندات هو المغناطيس الذي يجذب التدفقات النقدية نحو العملة الأمريكية.
يجب على المتداولين مراقبة البيانات الاقتصادية القادمة من الولايات المتحدة بحذر؛ فأي إشارة لضعف في قطاع الخدمات أو تباطؤ في نمو الأجور قد ينهي رحلة صعود الدولار الأمريكي الحالية، ويمنح الين الياباني الفرصة التي ينتظرها لاستعادة مكانته التاريخية كعملة صلبة.
ملخص التحليل الفني والأساسي:
- الاتجاه القصير الأمد: يميل لصالح الين الياباني نتيجة “التدخل الشفهي” وتوقعات April Hike من بنك اليابان.
- الاتجاه المتوسط الأمد: يظل الدولار الأمريكي هو المهيمن طالما ظلت الفائدة الأمريكية مرتفعة والفجوة في العوائد واسعة.
- المراكز المفتوحة: ينصح بمراقبة مستويات 160 كحاجز نفسي وتقني شديد الأهمية؛ حيث يمثل اختراقه “منطقة خطر” قد تستدعي تدخل البنك المركزي الياباني في أي لحظة.
اقرأ أيضا…



