أخبار الأسواقأخبار النفطسلع

أسعار النفط تواصل الارتفاع: هل تنجح المخاطر الجيوسياسية في التغلب على وفرة المعروض؟

شهدت أسعار النفط ارتفاعاً طفيفاً خلال تداولات يوم الجمعة، في وقت لا تزال فيه الأسواق العالمية تقف على طرف أصابعها مراقبةً مخاطر الإمدادات في منطقة الشرق الأوسط. ورغم بروز مؤشرات على تراجع احتمالات توجيه ضربة عسكرية أمريكية فورية ضد طهران، إلا أن القلق العميق من حدوث اضطراب مفاجئ في تدفقات الخام لا يزال يمثل المحرك الأساسي والديناميكي لحركة الأسعار في المدى القصير، مما يبقي “علاوة المخاطر” حاضرة في تسعير البرميل.

أداء الأسواق: مكاسب أسبوعية متتالية ودلالات الاستقرار

على صعيد التداولات، سجلت العقود الآجلة لخام “برنت” القياسي ارتفاعاً بمقدار 50 سنتاً، أو ما يعادل 0.78%، لتستقر عند مستوى 64.26 دولاراً للبرميل بحلول الساعة 10:00 بتوقيت جرينتش. وبناءً على هذا الزخم، يتجه خام برنت بثبات نحو تسجيل رابع مكسب أسبوعي له على التوالي؛ وهي سلسلة من الارتفاعات التي لم نشهدها منذ فترة، مما يعكس تحولاً في معنويات المستثمرين من الحذر الشديد إلى التفاؤل الحذر المدعوم ببيانات النمو.

وفي ذات السياق، صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 48 سنتاً، أي بنسبة 0.81%، ليتداول عند 59.67 دولاراً للبرميل. وتكتسب هذه الارتفاعات أهمية خاصة كونها تأتي بعد أن لامس الخامان مستويات هي الأعلى منذ عدة أشهر، وهي قمم سعرية تغذت بشكل مباشر على تصاعد نبرة التوترات الجيوسياسية وتوقعات بتقلص الفائض في المخزونات العالمية.

المحركات الجيوسياسية: قلق مستمر في مضيق هرمز

تأثرت أسعار النفط بشكل مباشر وسريع بالاضطرابات السياسية الأخيرة في إيران، وتزامنت مع تصريحات الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” التي لوحت في وقت سابق بخيارات عسكرية. وفي هذا الصدد، يشير محللون في مؤسسة “BMI” للأبحاث إلى أن استمرار التجاذبات السياسية داخل إيران قد يؤدي إلى موجات من التذبذب السعري الحاد، حيث تحاول خوارزميات التداول والأسواق المادية على حد سواء استيعاب سيناريوهات “الانقطاع المفاجئ” للإمدادات.

وعلى الرغم من أن تصريحات “ترامب” الأخيرة حول تراجع حدة التوترات قد ساهمت في تهدئة روع الأسواق مؤقتاً، إلا أن محللي “IG” يشددون على أن جذور المخاطر لا تزال عميقة في التربة السياسية للمنطقة. ويحذر الخبراء من أن أي تصعيد مستقبلي، مهما كان محدوداً، سيعيد للأذهان المخاوف الكابوسية حول سلامة الملاحة في مضيق هرمز. هذا الممر المائي ليس مجرد نقطة عبور، بل هو “شريان الحياة” للاقتصاد العالمي، حيث يتدفق عبره يومياً نحو 20 مليون برميل، وأي انسداد في هذا الشريان يعني قفزات سعرية قد تتجاوز المستويات الحالية بكثير.

التوقعات المستقبلية: توازن المعروض وتحدي الطلب الصيني

في مقابل المخاطر السياسية، تبرز حقائق اقتصادية قد تحد من طموحات “الثيران” (المراهنين على ارتفاع الأسعار)؛ حيث تظهر البيانات توقعات قوية بوفرة المعروض النفطي خلال العام الجاري، مما يخلق سقفاً فنياً ونفسياً يمنع الأسعار من الانفلات.

أبرز نقاط التحليل الفني والأساسي المعمق:

  • فائض الإمدادات العالمي: تشير موازين العرض والطلب الحالية إلى نمو في الإنتاج من خارج منظمة “أوبك+”، وخاصة من المنتجين الصخريين في الولايات المتحدة، مما يوفر وسادة أمان تحد من تأثير العلاوة السعرية المرتبطة بالتوترات السياسية.
  • لغز الطلب الصيني: يظل تعافي النشاط الصناعي في الصين هو “المتغير الأهم” في المعادلة؛ فبدون نمو حقيقي ومستدام في الطلب من ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم، ستجد الأسعار صعوبة بالغة في اختراق مستويات المقاومة العنيدة.
  • النطاق السعري المتوقع: تتوقع “بريانكا ساشديفا”، المحللة في “فيليب نوفا”، أن تظل أسعار النفط (خام برنت) محصورة ضمن “قناة عرضية” تتراوح بين 57 و67 دولاراً للبرميل. هذا النطاق يعبر عن حالة التعادل بين ضغوط البيع الناتجة عن وفرة المعروض، وضغوط الشراء الناتجة عن المخاوف الجيوسياسية، ما لم نشهد “حدثاً أسود” يؤدي لتعطل فيزيائي حقيقي لتدفق البراميل.

تظل أسعار النفط رهينة التجاذبات الجيوسياسية في المدى القريب، وهي منطقة يغلب عليها عدم اليقين. ومع ذلك، فإن الأساسيات الاقتصادية الصلبة المتعلقة بمرونة المعروض وتذبذب مستويات الطلب العالمي تعمل كصمام أمان يمنع الانزلاق نحو ارتفاعات غير مبررة اقتصادياً. سيبقى المستثمرون والمدراء الماليون في حالة ترقب شديد، مع التركيز على بيانات المخزونات الأسبوعية وأي تغير في نبرة الخطاب السياسي في منطقة الخليج.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى